لقد كان من أهم ما كشفت عنه الحرب الأمريكية الإيرانية أنها أظهرت للعلن أزمة ربما كانت حاصلة، أو قد حدثت منذ وقت طويل، بين أوروبا وأمريكا حول الكثير من السياسات الاقتصادية والأمنية، ولكن لم يكن يتوقع أحد أن تصل إلى مرحلة الانقسام التام حول ملفات الحروب التي تخوضها أمريكا، والتي لطالما كانت أوروبا داعما أساسيا لها، وهو ما تناولته تحليلات سياسية نشرتها الجزيرة نت حول مستقبل العلاقة عبر الأطلسي.
فمنذ تقلد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب زمام الأمور في البيت الأبيض، بدأت سياساته تجاه أوروبا تأخذ منحى آخر، بدأت كمحاولة لفرض حالة من التبعية الأوروبية للقرار الأمريكي.
وكان فتيلها ضغطا أمريكيا واضحا على كييف لإنهاء الحرب التي يقودها النظام الأوكراني دفاعا عن النفس ضد العملية العسكرية الروسية التي بدأت في عام 2022.
بل وذهبت الضغوط الأمريكية إلى أبعد من ذلك، عبر استضافة الرئيس الأوكراني زيلينسكي في البيت الأبيض يوم 28 فبراير/شباط 2025 وتوبيخه أمام الرأي العام العالمي، معتبرا أنه مستمر في معركة خاسرة ضد روسيا، ومشيدا بقوة موسكو التي، حسب قوله، تمتلك آلاف الدبابات، وفقا لما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية BBC.
بل وصل الحال إلى أن يقول الرئيس الأمريكي لنظيره إنك بدون أمريكا لا تملك أي أوراق للتفاوض، وإنك تقامر بحياة الشعب الأوكراني.
رفضت الدول الأوروبية بشكل كامل المشاركة في هذه الحرب، رغم طلب الجانب الأمريكي، وقال ترمب، في تغريدة له على منصة" تروث سوشيال"، إن على الأوروبيين أن يتحلوا ببعض الشجاعة، وأن يذهبوا لفتح مضيق هرمزوذهبت الأمور إلى ما أصبح يهدد أوروبا بأكملها؛ فأوروبا التي كانت في الماضي تتفاوض فيما بينها على تقسيم تركة الرجل المريض بعيدا عن مصالح شعوب تلك الدول، اليوم، ومن نفس الكأس الذي سقت منه شعوب العالم الثالث، بدأ الرئيس الأمريكي يعقد المفاوضات مع روسيا حول الملف الأوكراني بعيدا عن أن يأخذ رأي أوروبا، أو حتى رأي الشارع الأوكراني نفسه، كما أشارت إليه تقارير فايننشال تايمز.
هذا، عوضا عن تخفيف الدعم العسكري الأمريكي للجانب الأوكراني إلى مستويات غير مسبوقة، منتقدا سياسة الإدارة الأمريكية السابقة التي كان يقودها جو بايدن.
رغم أن أوروبا ردت على الضغوط الأمريكية، بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أكد، مع عدد من الرؤساء الأوروبيين، دعمه الكامل للنظام الأوكراني، سواء في مسار السلم والأمن، أو في مسار الحرب، حتى تحدث تسوية تضمن الأمن القومي لأوروبا بأكملها من أي تهديدات روسية مستقبلية.
تتالت المواقف السياسية التي زادت من هوة الخلاف بين أمريكا وأوروبا، تارة بفرض الرسوم الجمركية على واردات الدول الأوروبية إلى أمريكا؛ إذ قال ترمب، في صيف 2025، إنه سيفرض رسوما تصل إلى 30% على الواردات الأوروبية، ثم انتهى الاتفاق عند 15% على معظم السلع الأوروبية، بعد لقائه مع أورسولا فون دير لاين في أسكتلندا يوم 27 يوليو/تموز 2025.
وهو ما تناولته رويترز وفايننشال تايمز باعتباره محاولة لاحتواء أزمة تجارية بين الطرفين.
أو عبر الضغط على الدول الأوروبية لرفع ميزانياتها العسكرية في حلف الناتو، وتهديده أكثر من مرة بالانسحاب من الحلف الأطلسي، الذي تشكل أمريكا اللاعب الرئيسي فيه، إذ قال ترمب إن أمريكا ليست بنكا مفتوحا لحماية أوروبا، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.
يرى البعض أن الحرب الأمريكية في إيران تهدد مصالح أوروبا وتخنق الصين، ولهذا اكتفت الدول الأوروبية بالبيانات والتنديد باتخاذ إيران اقتصاد العالم رهينةوهو ما أعاد النقاش الأوروبي حول الاستقلال الدفاعي عن المظلة الأمريكية.
لكن الحرب الأمريكية الإيرانية، التي شنتها أمريكا مع حليفتها الأساسية في الشرق الأوسط، إسرائيل، ضد إيران في مارس/آذار 2026، بهدف إنهاء ما تسميه التهديد النووي الإيراني، وتغيير النظام الذي يقتل المعارضة، حسب السردية الأمريكية التي تزعم حماية الحريات في العالم، ورد إيران بالعمليات العسكرية التي استهدفت القواعد الأمريكية في المنطقة، وصولا إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر منه نسبة كبيرة من النفط العالمي، كانت نقطة تحول كبرى، كما أوضحت تغطيات BBC وفايننشال تايمز.
وبرغم ادعاء الرئيس الأمريكي أن هذا المضيق لا يهمه، وأن على الدول التي تستفيد منه أن تذهب وتفتحه، مشيرا بشكل أساسي إلى أوروبا، التي كان قد طلب منها أكثر من مرة الانضمام إلى حربه ضد إيران، رغم رفض الجانب الأوروبي هذا التصعيد بشكل قاطع.
بينما سمحت بريطانيا باستخدام قواعدها، التي قال ترمب إنها تأخرت كثيرا في الاستجابة للطلب الأمريكي، وهو ما تناولته صحيفة الغارديان في تغطيتها للموقف البريطاني.
ورفضت الدول الأوروبية بشكل كامل المشاركة في هذه الحرب، رغم طلب الجانب الأمريكي، وقال ترمب، في تغريدة له على منصة" تروث سوشيال"، إن على الأوروبيين أن يتحلوا ببعض الشجاعة، وأن يذهبوا لفتح مضيق هرمز، أو يشتروا وقود الطائرات من أمريكا، لكونها تملك مخزونا كبيرا منه، بينما ركزت العواصم الأوروبية على الحلول الدبلوماسية وفقا لتقارير BBC.
بين ترمب الذي يرى أن أمريكا أولا، وأوروبا التي لا تقبل المساومة في مصالحها، تستحضرنا مقولة ونستون تشرشل الشهيرة: " لا صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، في السياسة، فقط هنالك مصالح دائمة"ورغم ذلك، فإن شركات الطيران الأمريكية لم تصمد طويلا أمام إغلاق المضيق، فأعلنت شركة الطيران الأمريكية" سبيريت الجوية" إفلاسها في أوائل مايو/أيار 2026، كاشفة عن أزمة عالمية.
بينما يرى آخرون أن الحرب الأمريكية في إيران تهدد مصالح أوروبا وتخنق الصين، ولهذا اكتفت الدول الأوروبية بالبيانات والتنديد باتخاذ إيران اقتصاد العالم رهينة، وفق تحليلات نشرتها الجزيرة نت.
وهكذا تحول موقف أوروبا، من أوروبا الداعمة لغزو العراق، إلى أوروبا التي ترفض الانخراط، بأي شكل من الأشكال، في هذا الصراع، خوفا من أن تتأثر مصالحها التي تقوم بشكل أساسي على استقرار سلاسل إمداد الطاقة والتجارة الخارجية.
وبين ترمب الذي يرى أن أمريكا أولا، وأوروبا التي لا تقبل المساومة في مصالحها، تستحضرنا مقولة ونستون تشرشل الشهيرة: " لا صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، في السياسة، فقط هنالك مصالح دائمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك