في كرة القدم، لا تُسجَّل البطولات في دفاتر التاريخ مصحوبة دائماً بشرحٍ كامل للظروف والملابسات، بل يُكتب اسم البطل فقط.
ولهذا سيظل نادي الزمالك بطلاً للدوري، وسيبقى جمهور النادي العظيم محتفلاً بلقب جاء بعد موسم طويل ومليء بالتقلبات والضغوط.
لكن الاحتفال يجب ألا يمنع قراءة المشهد بواقعية، لأن الأندية الكبيرة لا تعيش على لحظة الانتصار وحدها، بل على القدرة على فهم أسباب الفوز حتى لا تتحول البطولة إلى مجرد استثناء مؤقت.
الحقيقة أن الزمالك لم يفُز بالدوري، لأنه الفريق الأكثر اكتمالاً فنياً، أو لأنه يمتلك أفضل مشروع كروي في المسابقة.
نعم، اللاعبون قدّموا مجهوداً كبيراً، وكثير منهم لعب فوق إمكاناته الحقيقية في أوقات حاسمة، كما أن الجهاز الفني تعامل مع ظروف صعبة وضغوط جماهيرية وإدارية متواصلة.
لكن من الصعب القول إن الفريق كان صاحب الأداء الأكثر إقناعاً أو الاستقرار الفني الذي يليق ببطل قادر على فرض هيمنته لسنوات.
ما حدث هذا الموسم يُشبه إلى حد كبير ما جرى مع نادي ليفربول العام الماضي.
عندما فاز بالدوري الإنجليزي في موسم شهد تراجعاً واضحاً للمنافسين أكثر مما شهد تفوقاً ساحقاً من الفريق البطل.
فوقعت الإدارة في فخ لحظة الانتصار، فانكشف في الموسم الذي تلاه، واتضح أنه فريق شديد الضعف، بدون جمهوره المميز لما بلغ ترتيبه الحالي، والذي أعتقد أنه لا يستحقه.
في الحالتين، استفاد البطل من اهتزاز خصومه، وحالة عدم الاستقرار التي أصابت المنافسين على المستويين الفني والإداري.
الزمالك استفاد بوضوح من مشكلات المنافسين، فرق عانت من أزمات غرف الملابس، ودفعت ثمن التخبّط الإداري، وبعضها فقد شخصيته الفنية في مراحل حاسمة من الموسم.
هناك منافسون أهدروا نقاطاً سهلة بشكل متكرّر، وآخرون دخلوا في صراعات داخلية أثرت على تركيز اللاعبين والمدربين.
وسط هذا المشهد المرتبك، نجح الزمالك في الحفاظ على قدر كبير من التماسك مكّنه من اقتناص اللقب.
لكن الخطورة تكمن في أن تتحول البطولة إلى «شهادة مزيفة» توحي بأن كل شيء على ما يرام.
الواقع يقول إن الزمالك ما زال يحتاج إلى إعادة بناء حقيقية إذا أراد الاستمرار في المنافسة محلياً وقارياً.
الفريق يحتاج قبل أي شيء إلى مدرب أجنبي صاحب شخصية قوية، يملك تاريخاً واضحاً مع البطولات، ويكون قادراً على فرض الانضباط التكتيكي والنفسي داخل النادي.
يحتاج إلى أسلوب كرة القدم الحديثة التي لم تعد تعتمد على الحماس وحده، بل على مشروع فني متكامل يبدأ من طريقة اللعب وينتهي بإدارة التفاصيل الصغيرة.
كذلك يحتاج الزمالك إلى تدعيمات حقيقية، وكفى ما حدث من بعض اللاعبين أصحاب المستوى الذي لا يليق بالزمالك، بل بلاعبين يضيفون جودة واضحة في المراكز التي تعاني من ضعف أو غياب البدائل.
بعض عناصر الفريق الحالية قدّمت أقصى ما لديها، وربما أكثر من طاقتها بالفعل، لكن البطولات الكبرى والاستمرارية تحتاج جودة أعلى وعمقاً أكبر في القائمة.
الفوز بالدوري يمنح الزمالك دفعة معنوية مهمة، لكنه في الوقت نفسه يجب أن يكون جرس إنذار.
لأن الفارق بين البطل الحقيقي والبطل المؤقت هو أن الأول يطوّر نفسه بعد الانتصار، بينما يكتفي الثاني بالاحتفال حتى يكتشف أن الظروف التي منحته اللقب لم تعد موجودة في الموسم المقبل.
تحية واجبة لمعتمد جمال، وللجهاز المعاون، وللإدارة، لكن التحية الأعظم للجمهور العظيم، الواعي المثقف الحكيم الذي يستحق حركة إصلاح شاملة للفريق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك