خلّفت الدراسات النقديّة، خاصة المنتمية إلى الإطار الواسع لما يُعرف بـ»مدرسة فرانكفورت»، ومن ثم «الدراسات الثقافية» بوصفها اختصاصاً أكاديمياً، أدبيات واسعة وغنيّة عن الجماليات، وعلاقتها بالسياسة، وكان لدراسة جماليات الفاشية دور كبير في تطوير هذا الحقل، من نصوص تيودور أدورنو الشهيرة عن الثقافة الجماهيرية، ودورها في بناء الشخصية السلطوية، عبر التكرار وتبسيط الذائقة؛ وحديث فالتر بنيامين عن «تحويل السياسة إلى ظاهرة جمالية» في الفاشية؛ وصولاً في ما بعد إلى نص سوزان سونتاغ الشهير عن «الفاشية الساحرة»، التي تنتج جمالياتها الخاصة، فتقدّم الانضباط والقوة والتناظر والطهارة بصورة مغوية، من جسد الفرد وحتى الموكب والعرض العسكري المعبّر عن الأمة الواحدة.
في كل تلك الحالات لا يمكن فصل الجماليات عن المعنى الاجتماعي، والنظرة إلى العالم، ومفهوم الحقيقة، والسلطة، أي أن الجمال تحوّل إلى ميدان سياسي، خاصة في عصر صار فيه إنتاج الجماليات ونشرها قطاعاً حيوياً، واقتصاداً متكاملاً؛ والسياسة بدورها صارت في جانب منها ظاهرة جمالية، قادرة على صناعة «الجمهور».
الأمر الذي يحذّر منه مناهضو الشعبوية عادة، ويفضّلون عليه «السياسة المملة»، التي لا تهتم بجمالياتها، بقدر ما تقوم على الإحصائيات والأرقام وآراء الخبراء والبيروقراطيين، والجدالات الطويلة، المؤطرة ضمن تقاليد الحيز العام الكلاسيكي.
لقد باتت الجماليات، بعد أن صارت «صناعة»، عنصراً أساسياً في النظرية السياسية، لا يمكن تجاوزه، إلى جانب حقول أخرى، مثل التحليل النفسي، ودراسة الخطاب، والسيميولوجيا (علم العلامات والرموز وأنظمة الدلالة)، وطبعاً الحقول التي قد يظنها البعض وحدها «المادية»، مثل الاقتصاد، والاقتصاد السياسي، والديموغرافيا.
في ما بعد برز تصوّر آخر عن الدور السياسي للجماليات، بفضل دراسات العنصرية والدراسات ما بعد الكولونيالية ونقد الاستشراق، وهو إنتاج مجال الاستعلاء والاشمئزاز من الآخر، وتصنيفه في مرتبة دونية، ما يبرز تفوّق الذات، التي تُقيِّم وتصنّف جمالياً، وفق ثنائية «نحن الجميلون والراقون والنظيفون»، و»هم القبيحون والهمجيون والقذرون».
قد يكون هذا التصنيف مقدمة لاضطهاد شعوب بأكملها، كما في الاستعمار، حين صنّفت المجموعات المُستَعمرة بوصفها قبيحة وقذرة، إلى جانب كونها جاهلة، وغير أخلاقية، ولا تتسم بالعفّة الجنسية، ولا تفهم الملكية الخاصة، وبالتالي يمكن الاستيلاء على أرضها ومواردها، وفصلها عنها، وإعادة تربيتها بما يناسب المنظور الاستعماري، أو «عبء الرجل الأبيض»، الذي لم يخلُ أيضاً من مجازر إبادة ضد الشعوب المتخلّفة القبيحة، والتي احتلت مكانة شديدة الدونية في «الإنسانية»، أو ربما تحتها تماماً.
أما جماليات الانضباط والطهارة الفاشية فقد صنعت نقيضها، أي المجموعات الفاسدة، التي يشكّل قبحها ورماً واجب الاستئصال في جسد الأمة؛ وحالياً تُنتج «المركزية الغربية» مجال العنصرية والتمييز والتهميش، بأدوات كثيرة، منها الإشارة إلى قبح الآخر، والاشمئزاز منه.
دفع كل هذا مناهضي العنصرية و»المركزية الغربية» إلى محاولة «نزع الاستعمار» في مجال الجماليات، لتبيان جماليات الشعوب غير الغربية، التي لا يُشترط أن توافق الإطار المعياري الغربي.
ما نظنه قبيحاً أو مثيراً للاشمئزاز، قد يكون مفهوماً آخر للجميل، وللتعامل مع العالم عموماً.
أدى هذا في ما بعد إلى موجة أخرى لاقتباس الجماليات غير الغربية، في المدن الكبرى الغربية، لتصبح بدورها صناعة، ونمطاً من الاستهلاك، له طابعه الأخلاقي والسياسي، ودخل في آليات «الثقافة الجماهيرية»، بل إن «نزع الاستعمار» صار بحد ذاته صناعة، لها منتجاتها، ومنحها الأكاديمية، وتمويلاتها وأرباحها.
أيضاً للجماليات حضورها السياسي في مجال العمارة وتخطيط المدن، فقد اهتم كثير من المعماريين بدراسة الفضاء الحضري؛ والتجمعات السكّانية، من المدن الكبرى حتى المخيّمات؛ وانتقدوا المذاهب والفلسفات العمرانية المختلفة، ليحددوا الطريقة التي تنتج عبرها جماليات المكان جوانب أساسية من وجودنا الاجتماعي، وتواصلنا، ومفاهيمنا عن الذات، ونشاطنا الحياتي، بل كيف تلعب دوراً أساسياً في تثبيت هرميات اجتماعية معيّنة، وعلاقات سلطة، واستغلال، ورأسمال مادي ورمزي.
وبالطبع نالت العمارة الفاشية والستالينية نصيباً كبيراً من تلك الدراسات، وكذلك المدن الغربية المعولمة، في عصر نزع التصنيع، والأحياء العشوائية على هوامش المدن العالمثالثية الكبرى.
عملياً، تمت دراسة الجماليات بوصفها أكثر من وظيفة سياسية، أو زخارف على خطاب سياسي، وإنما باعتبارها مُنتجاً فعلياً للسياسة، بل وممارسة سياسية بحد ذاتها، رغم هذا يبدو أن فهم ما يجري في منطقتنا يحتاج إلى ما هو أكثر، فنحن لم نعد نعاني فحسب من سياسات جمالية، أو جمال سياسي، يساهم في إنتاج القمع والفاشية والعنصرية، أو يتدهور ليعبّر عن انحلال الأنظمة الشمولية.
هنالك ظواهر أخرى، وهي النزع المنهجي للجماليات، ورفضها من الأساس، وإنتاج بيئات لا تُعنى بها، بل وتسعى إلى طمسها بنشاط، وذلك لدوافع تبدو أيديولوجية، أكثر من كونها نتيجة الفقر أو العشوائية أو الفوضى.
ويمكن القول إن هذا ارتبط في البداية بما يسمى «الصحوة الإسلامية»، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، ووصل إلى ذروته في أيامنا، خاصة في المجتمعات التي تسود فيها الظواهر الميليشياوية، واقتصاديات الظل والجريمة، وهي ليست بالضرورة مجتمعات فقيرة أو «مهمّشة»، بمقاييس المنطقة طبعاً.
قد يكون الحديث عن رفض أيديولوجي للجمال مثيراً لحفيظة بعض مناهضي العنصرية، أو أنصار «ما بعد الكولونيالية»، إلا أن تجاوز هذه الظاهرة، والتغطية عليها بحجة مناهضة «المركزية الغربية»، أو «عدم الاستعلاء» غير ممكن، ونوع من حظر التفكير، إن لم نقل التجهيل.
لا نناقش هنا نمطاً جمالياً مغايراً لإطار معياري ما، بل حرصاً منهجياً على الطمس، والتحطيم، والتغطية، والإدانة والتجريم، وإضفاء صفات مدنّسة على كل حضور جمالي، من دون أي محاولة لإنتاج جماليات بديلة.
يصبح رفض الجماليات هنا خطاباً متكاملاً، ونمطاً واعياً لذاته.
لا توجد «جماليات مضادة» مثلاً، أو إنتاج لجماليات متقشّفة حسياً، تقدّس الانتظام والوظيفية والطهارة، كما لدى بعض المذاهب البروتستانتية مثلاً، بل ارتياح كامل للرثاثة، والطمس الحسّي، والإلغاء الرمزي، وكأن مفهوم الجمال نفسه بدعة زائدة عن الحاجة، بل عدو واجب الاستئصال؛ أو كأن الهدف هو «تقليل العالم» وتضييقه قدر الإمكان.
قد يبدو هذا معاكساً للفاشية، التي جعلت السياسة ظاهرة جمالية، وكانت لها أناقتها وغواياتها الخاصة، ولكن من المثير للاهتمام أنه قادر أيضاً على إنتاج شعبويته وحشوده الخاصة، التي تجتمع لمزيد من «الترثيث» إن صح التعبير (إنتاج المظاهر الرثة)، لدرجة قد يمكن معها القول إنها تجعل السياسة نفسها ظاهرة رثّة.
ورغم كل ما كُتب عن «جماليات القبح»، إلا أنه يصعب أن نجد أي تشكّل جمالي وسط كل تلك الرثاثة، لقد خرجنا من الإستطيقيا كلها هنا (علم الجمال، كما قد يُعرَّب أحياناً)، ليس باتجاه نقيض لها، فوجود النقيض يعني الاهتمام بالمفهوم، والتعلّق به، وإنما نحو عالم لا مكان أو وجود فيه للمفهوم أصلاً، أو تفكير فعلي به.
ولكن، هل يمكن لمجموعات بشرية أن تعيش من دون جماليات فعلاً؟ وما وظيفة «ترثيث السياسة»، أي السياسة التي تسعى لعالم لا يوجد في ثقافته أي مفهوم للجمال؟عرفت «الصحوة الإسلامية» مجموعة من الممارسات السياسية والاجتماعية، ومن الملاحظ أن الموقف ضد الجمالي كان في مركزها، إذ هوجم الرسم والنحت وأغلبية الفنون البصرية، ربما باستثناء الزخرفة؛ وحُرمّت الموسيقى و»المعازف»، وتعرّض عدد من الحفلات الموسيقية لاعتداءات عنيفة؛ وأُحرقت دور السينما والمسارح والمراكز الثقافية؛ ودُفعت الممثلات بشكل خاص إلى اعتزال الفن، وأحيانا الحياة العامة كلها.
أما على مستوى الأزياء والذوق الاستهلاكي، فقد جرت عملية أسلمة سلعيّة سريعة، كانت مهمتها تقليل الألوان والسمات الحسيّة عموماً.
لقد ظهرت أناشيد إسلامية، وبعض الزخرفة المعمارية والاستهلاكية، وأزياء جديدة، ولكن كل هذا لم يشكّل مذهباً جمالياً جديداً، أو يؤدي لإنتاج بدائل، بقدر ما كان محاولة لـ»تحجيب الفضاء العام» إن صح التعبير، أي سعياً لطمس الموسيقى والصورة والأناقة، ليصبح الطمس المُشهَر هو الغاية بحد ذاتها.
هذه أغان «من دون» موسيقى، وفضاءات «من دون» لوحات وتماثيل، وملابس «من دون» جاذبية.
الـ»من دون» هنا هو الهدف، وهو الحل.
لم يعن هذا التحليق في عوالم من التجريد مثلاً، بل أنتج فوضى حسيّة وجسدية، تحرص على أن تقدّم نفسها بشكل عارٍ من الجماليات.
تدريجياً زال الاهتمام بالجميل، وفقدت مدن المنطقة، مثل القاهرة والإسكندرية ودمشق وحلب وبغداد والموصل، قدرتها على إنتاج طابع جمالي حضري خاص بها، ولم يبق بها إلا الآثار، والعمارة القديمة، والمعالم الفنية المنتجة في حقبة ما قبل «الصحوة»، وازداد حال الأرياف سوءاً، من دون أن يعني هذا زيادة فقرها بالضرورة.
يربط كثيرون هذا التغيّر بالتزايد السكاني، والهجرة الداخلية، والتوسّع العشوائي، إلا أن كل هذه العوامل لا تنتج وحدها كل تلك العطالة الجمالية.
الظاهرة التي يمكن تسميتها «الموت الجمالي للمدن» لم تدرس بما فيه الكفاية من ناحية أيديولوجية وسياسية.
الأكثر خطورة، أنه باستثناء بعض المثقفين المعادين لـ»الصحوة»، بدا أن كثيراً من سكان تلك المدن متأقلمون مع هذا الحال، ولا يشعرون بأنهم يفتقدون شيئاً مهماً في حياتهم، وأي «تطوير» كان يصبّ في خانة الرموز والأبنية الاستهلاكية البحتة، التي يمكن أسلمتها بدورها، مثل المجمّعات التجارية الكبيرة.
يمكن هنا تقديم تعريف واضح لـ»الترثيث»: عملية سياسية ـ ثقافية منظّمة، تُجرّد المجال الاجتماعي من الحسّ الجمالي، عبر إنتاج بيئات وخطابات وأشكال معيشة، تقوم على الطمس والتقليل والإلغاء الحسّي، بما يؤدي إلى تضييق التجربة الإنسانية، وإضعاف الفردانية والحس الاجتماعي معاً، وكذلك الخيال والقدرة على التذوّق والتأمل.
يجب تمييز «الرث» عن «القبيح»، فالقبيح قد يكون محاولة جمالية فاشلة، أو حتى اختياراً جمالياً، فيما الرثاثة هي غياب منظّم لفكرة الجمال، وحالة لا تعود فيها الجماليات موضوعاً للتفكير أصلاً.
كما أن الترثيث هو تقليل للتجربة الإنسانية الممكنة، وكأن الإنسان يُدفع للحد الأدنى من الخيال والذوق واللعب والتأمّل والتأنّق، وهو نزعة أيديولوجية وسلطوية واعية، ونمطٌ من السياسات الحيوية، التي أصرّت عليها الحركات الإسلامية، وجعلتها في صدارة برامجها، ولم تقاومها الدول القائمة، بل على العكس، دعمتها بشكل مباشر أو غير مباشر، فالسيطرة على ما يُرى ويُسمع ويُلمس ويُضاء، كانت سيطرة على التجربة الحياتية والجسدية والفكرية للبشر.
وإذا كانت الفاشية تنتج حشداً عبر الجماليات، أو «تحويل السياسة لظاهرة جمالية»، فإن الترثيث ينتج بدوره حشداً عبر نزع الجماليات، لدرجة أن إنهاء التفكير بالجماليات يصبح بحد ذاته شكلاً من أشكال الهوية.
الترثيث ليس فشلاً في التنظيم، وإنما نمط غريب منه، قادر على صناعة الانتماء.
هذا يعني أنه ليس مناقضاً للفاشية، وتصوراتها عن الأمة الأحادية، بل متماشٍ معها تماماً، ولكن بأسلوبه الخاص، ويستأصل الجمال نفسه من جسد الأمة، ربما قبل أن يستأصل أعداءها، الذين ما تزال لديهم بعض المظاهر الجمالية «المنحرفة».
يفتح هذا الباب لشكل وممارسة خاصة تتناسب مع الحالة البروتو فاشية (قبل الفاشية أو الفاشية البدائية) التي تجتاح بعض مجتمعات المنطقة، مع الميليشيات والحركات المتطرفة، وهي الفاشيّة الرثّة، التي تنتج نموذجها المناسب عن الذات الفردية والجماعية، عبر تحديد الإدراك بأقل الحدود، وتقليل العالم، الرمزي والحسي والفكري، إلى أدنى درجة ممكنة.
هذا خطير للغاية، فالذين يعيشون في عالم اجتماعي بهذه الرثاثة، قد يقبلون فعلاً بأي شيء، وبأكثر الظروف إهانة لإنسانيتهم.
الجماليات لم تكن يوماً ترفاً، فالتمسّك بها يمنحنا جانباً مهماً من احترامنا لذواتنا، وإحساسنا بسيطرتنا على عالمنا، وقدرتنا على التضامن، وهي لا تقل أهمية عن الأخلاقيات والمعارف.
إلا أن أي جهة لا يمكنها بالتأكيد إلغاء الجماليات تماماً من العالم، وستضطر في مواقف معيّنة للتفكير بها، خاصة في مجال الإعلام الحربي، والدعوة الجهادية.
وهنا يجب عدم تجاهل عدد مهم من الأعمال التي أنتجتها جماعات إسلامية، مثل «داعش» و»القاعدة»، والتي حملت سمات جمالية مُفكّرا بها، خاصة تسجيلات العمليات والمعارك، والبيانات المصوّرة، وعددا من الأناشيد.
نخبة الجهاديين، مثل أي نخبة، تنتج الجماليات أيضاً، حتى لو كان الترثيث هو مشروعها الموجّه للعموم.
فما الطابع الجمالي الفعلي لتلك الأعمال؟ربما كانت السمة الأساسية هي الرعب، وإثارة الخوف والخشية في قلوب الأعداء، مع ألوان مدروسة، تبدو دائماً أميل للسواد، وأصوات تثير القلق والتحفّز، ولا تُطرب أو تؤدي للاسترخاء.
تنظيم «داعش» بالذات تجاوز ذلك إلى تصوير عمليات الإعدام والقطع والرجم والحرق، في نمط من الإباحية الدموية غير المسبوقة، وهي، إضافة إلى كونها إرهاباً للعدو، أسلوبٌ لمخاطبة المجتمعات المسلمة، التي فقدت كثيراً من قوتها، في عالم متراخٍ، يخفي الدموية المفرطة، حتى لو كان يمارسها.
إنها محاولة لشد عصب الجماعة، وتصليبها، وجعلها مستعدة للمعارك الخلاصية المقبلة.
تبدو تلك الإباحية مقبلة من عوالم الألعاب الإلكترونية العنيفة، وبعض مواد «الإنترنت المظلم»، وهو الجو الذي يجده الجهاديون العالميون أقلّ انحلالاً من الجماليات الشركيّة الفاسدة.
إنه نمط مناسب لـ»عالم سفلي»، ليس بالمعنى الفني والثقافي لـ»لأندرغراوند»، بل أقرب لعوالم الجريمة المنظّمة، والاتجار بالبشر، واقتصاديات الظل، وهو الجو الذي تنتعش به الميليشيات عموماً.
يمكن ملاحظة أن الإباحية الدموية، وجمالياتها، تقترب لأن تصبح نوعاً جمالياً مفضّلاً لدى كثير من الميليشياويين وأنصارهم، فبعض المجازر التي شهدناها مؤخّراً، لم توثّق إلا عبر مرتكبيها أنفسهم، الذين صوروا جرائمهم المروّعة ونشروها، بمتعة وتشفٍ بالغين، فصارت هناك جرائم يرتكبها محترفون في الجريمة، ولكنها تصوّر على طريقة إباحية الهواة، وتجد جمهوراً متعطّشاً لها.
يمكن القول أيضاً، إن المتعة الإباحية الدموية شديدة القوة، إذ يصعب أن يخالطها ذنب، فهي تجمع بين أحط أنماط الغرائزية وأعلى أشكال التسامي الديني، والانتماء للجماعة والأمة المُتَخيّلة، وإحيائها، وليس التمرّد عليها وعلى أخلاقها، وهكذا يصبح لدى هواة تلك المتعة قدرة على اكتشاف جماليات الأجساد المنتهكة والمعذّبة والمشوّهة، بجرأة لم يصل إليها أعتى فناني السريالية، ولكن طبعاً، من دون أن يمتلكوا شيئاً من موهبتهم.
ربما لا نجد نظيراً فنياً معروفاً لمثل تلك الإباحية إلا في أفلام من طراز Salò (مئة وعشرون يوماً في سدوم) الشهير، للمخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي يتحدث أيضاً عن إباحية وسادية الفاشيين.
لقد عبّر بازوليني عن التقاء الفاشية بالإباحية والسادية، داخل نظام جمالي شديد الوعي بنفسه، فيما الميليشيات المعاصرة تنتج شكلاً أكثر رثاثة وبدائية من هذا التلاقي، فتحّول الجريمة نفسها إلى مادة خام للفرجة، مصممة للاستهلاك الجماعي السريع.
ليس عناصر الميليشيات طبعاً فنانين من النوع العبقري المجنون مثل بازوليني، فهم أبناء عالم الترثيث الموصوف أعلاه، والذي لا يسمح إلا بالإباحية الدموية.
وإذا كان فيلم بازوليني قد منع في عدد كبير من الدول، فالأجدى في حالتنا ليس منع تسجيلاتهم فحسب، بل مكافحة الشرط والبنية، اللذين يجعلان جرائمهم ممكنة أصلاً، تماماً كما تمت مقاومة الفاشية التي صوّرها بازوليني.
ولهذا فإن مكافحة الترثيث، واستعادة الجماليات، والتفكير بها، قد تكون شرطاً أساسياً لإمكانية استمرار الحياة في منطقتنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك