شاهدتُ مؤخرًا الفيلم العراقي “The President’s Cake” أو “مملكة القصب”، من كتابة وإخراج المخرج العراقي حسن هادي، وهو أول أفلامه الدرامية الطويلة.
عُرض الفيلم لأول مرة عالميًا في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث فاز بجائزة الجمهور وجائزة الكاميرا الذهبية.
واختير الفيلم لتمثيل العراق في جائزة الأوسكار في دورتها الثامنة والتسعين (2026)، ووصل إلى القائمة المختصرة لأفضل فيلم دولي.
فيلمٌ عربيٌّ آخر يُضاف إلى نخبة من الأفلام الرائعة التي أنتجتها السينما العربية مؤخرًا، والتي فرضت نفسها وبقوة في عالم السينما، وزاحمت الكثير من الأفلام العالمية في نيل التقدير المستحق من النقاد، واقتناص الكثير من الجوائز بجدارة من مختلف المهرجانات الدولية.
فكعكة الرئيس، إلى جانب أفلام كـ”صوت هند رجب” و”فلسطين 36”، لم تُعِد لنا وللسينما العربية الاعتبار فقط، وإنما أيضًا ترقى لأن تكون إضافات فنية متميزة ومهمة للسينما العالمية، تعيد لنا الأمل بعودة السينما الراقية الجادة، والأعمال الحقيقية والعميقة التي تخاطب وتستفز العقل والروح والخيال، في مقابل الغثّ التجاري الهابط الذي يملأ الشاشات.
فيلم كعكة الرئيس يكاد أن يكون وصفة سينمائية شهية تمتزج فيها مكوناتها من الدراما الاجتماعية الواقعية والفانتازيا والخيال، بمسحة من الكوميديا الساخرة التي يوظفها المخرج لإنجاز عمل إبداعي يحمل الشيء ونقيضه؛ يحمل بداخله الكثير من الجمال والحب والأمل، ولكنه أيضًا يحمل القبح والعنف والقسوة والمرارة والإحباط.
عمل لا يكتفي بتسليط الضوء على فترة معينة من تاريخ العراق، بل يتعداه ليكون رؤية نقدية وحكاية إنسانية مثالية بامتياز، يتناول فيها فكرة القهر والألم والمعاناة في ظل حكم الأنظمة الشمولية وانعدام العدالة والقانون الدولي بشكل عام.
تدور أحداث فيلم “كعكة الرئيس” في العراق خلال تسعينيات القرن الماضي، ويركز على فتاة تبلغ من العمر تسع سنوات تُدعى لميعة (تقوم بدورها الطفلة بانين أحمد نايف)، تعيش مع جدتها بيبي (وحيدة ثابت خريبات) في إحدى المنازل المتواضعة المصنوعة من القصب، في وسط المستنقعات المائية في أهوار العراق.
رغم الفقر وشحّة الموارد والحياة المزرية المحفورة على وجه الجدة بيبي، كمثال للإنسان الذي يحمل عذاباته ويحيا في هذه البقعة من العراق، إلا أن المخرج اختار، في هذا الجزء الأول من الفيلم، أن يصور أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها شفافية للطبيعة الساحرة، وحالة بصرية ساحرة لانعكاسات الظل والضوء على تلك المسطحات المائية التي تلامس الأفق، وتحتضن أشجار القصب الكثيفة، وتنبض بالحياة مع كل موجة ترسلها زوارق الصيد.
لوحات تشكيلية رائعة ممزوجة بموسيقى معبّرة تفتح جراحًا بسعة الرافدين، تسيل منها مياه الأهوار وآلامه، مستلهمة التراث العراقي الأصيل وحضاراته الآشورية والسومرية القديمة.
تبدأ القصة عندما يقع الاختيار على لميعة في المدرسة لإعداد كعكة خاصة بمناسبة عيد ميلاد الرئيس صدام حسين، والذي يُعد الاحتفال به إلزاميًا.
يبدو أن دعوات لميعة وصلواتها للرب، لئلا يقع عليها الاختيار، لم تصل، لينزل هذا التكليف عليها وعلى جدتها كالصاعقة، في ظل حالة الفقر والعوز المتفشي، فتصبح مهمة بسيطة وممتعة لخبز كعكة من المهمات الصعبة والمعقدة، مع ندرة الدقيق والسكر والبيض، بل وحتى الماء، بسبب العقوبات الدولية على العراق وشعبه.
تسافر الجدة، ومعها لميعة، إلى مدينة بغداد من أجل شراء المواد المطلوبة للكعكة.
طريق ينقلنا عبره الفيلم من شفافية وليونة ورأفة الصورة في الأهوار إلى خشونة وقسوة وعنف المدينة، لتبدأ رحلة طويلة شاقة ومضنية للميعة البريئة ذات التسعة أعوام، تواجه فيه القبح في شتى صوره وأشكاله من غلاء وفساد ونصب واستغلال، ألا وكأن نظام الدولة والقانون الدولي، ومن فوقهم الرب، يضعون هذه البراءة أمام اختبار فاقد للتوازن وغير عادل، تنتفي فيه أدنى مقومات الأخلاق والقيم الإنسانية، التي تتهاوى تحت وطأة صراع طاحن من أجل البقاء.
تبدأ الرحلة عندما تنفصل الطفلة عن جدتها، التي أرادت نقل حضانتها إلى عائلة عراقية من سكنة بغداد أكثر اقتدارًا على رعايتها وتوفير حياة لائقة نسبيًا عجزت عنها الجدة في هذه السن المتقدمة.
ترفض لميعة هذا الموضوع، مما يضطرها إلى الهرب من جدتها لمواجهة المجهول في شوارع مدينة تبتلع أقوى المخلوقات وأعتاها، فما بالك بطفلة تلمع ببراءتها كلميعة، التي تبدأ سنينها الأولى بهذا الامتحان الوجودي: أن تكون أو لا تكون، حيث إن الفشل في هذه المهمة، التي قد تبدو بسيطة وتافهة، له تبعات وخيمة من محاسبة ومساءلة وشديد العقاب.
ولذلك، فإن إطلالة الرئيس صدام حسين عبر صوره المنتشرة في أركان وشوارع بغداد، والتي يتكرر ظهورها في الكثير من كوادر الفيلم ومشاهده، قد تكون رمزية لصرامة الرقابة على السلوك والانضباط العام، ومدى جدية الالتزام بالقوانين والأوامر الصادرة من الدولة، مما يضاعف من الضغط النفسي ومن حالة الخوف والرعب التي تعيشها لميعة أثناء تأديتها للمهمة.
يخصص الفيلم مساحة واسعة للعلاقة بين لميعة وصديقها وزميل دراستها الشقي المشاكس المحب والخلوق “سعيد” (يقوم بدوره الطفل سجاد محمد قاسم)، والذي تلتقي به مصادفةً في بغداد، حيث هو الآخر يخوض امتحانه الخاص به بتوفير الفاكهة المكلّف بإحضارها من قبل نفس المدرسة ولنفس المناسبة أيضًا، لتبدأ مهمتهما المستحيلة ومخاضهما العسير معًا.
تلك العلاقة البريئة والعميقة بين الطفلين، والتي من وجهة نظري لا تشكل العمود الفقري للفيلم فحسب، وإنما أيضًا أجمل محاوره وأكثرها إثارةً وإبداعًا.
فرغم التناقض الحاد واختلاف شخصيتيهما الشاسع، فهي الملتزمة المحافظة المتوترة والقلقة، وهو الحر الفَرِح المشاكس والمتمرد، إلا أن هناك أيضًا الكثير مما يوحّدهما كالبراءة والصدق والمحبة، وربما أيضًا شراكتهما في حياة الفقر والظلم والقهر والمعاناة.
هذان الطفلان الجميلان على المستويين الحسي والروحي، أدّيا دوريهما بشكل تلقائي بارع، وحملا على عاتقيهما إيصال رسائل ورؤى المخرج الكثيرة التي أراد إيصالها لنا نحن المشاهدين.
فرغم صغر سنهما وبراءتهما الشفافة والمفرطة، والتي توحي بالهشاشة أمام عنف وقسوة المجتمع حولهما، والذي يعاني بشكل عام من الفقر والفساد والانهيار الأخلاقي على أكثر من صعيد، إلا أنهما أيضًا لعبا دور الطفولة المقاومة الصلبة والعنيدة، التي تقاتل بشتى السبل والوسائل من أجل البقاء والتطلع لمستقبل أكثر جمالًا وإشراقًا.
فعلاقتهما، بل دعونا نقول، مشوار حياتيهما ورحلتهما الشاقة في البحث عن أكثر الأشياء حلاوةً عند أي طفل، ألا وهو الكعكة (يقول الطفل سعيد في أحد مشاهد الفيلم: ليتني كنت رئيسًا للبلاد حتى آكل كل كعكات العالم)، علاقة لم تخلُ من رومانسيتها التي تتجاوز حدود الطفولة إلى شيء أكبر، وإلى شكل من أشكال الحب البريء والخالص، خصوصًا عندما يتكرر اتصالهما عن طريق العيون وما وراء العيون، ويمارسان تحدي النظر (لعبة من يُغلق عينيه ومن يرفّ طرفه أولًا).
هو أشبه بالطقس الروحاني الذي يلجآن إليه بحثًا عن السكينة، أو الغوص عبره إلى الجمال والنقاء الداخلي لمقاومة محطات فشلهما وانكسارهما، وليعيدا به توازن العالم وتواصلهما الروحي والنفسي، ليغدو سلاحهما وملاذهما الآمن الوحيد الذي يقوى على حمايتهما وعزلهما عما حولهما من قبح وعنف وتوحش.
كأن أقصر الطرق للقلب هي العيون؛ تحدٍّ لا يهم من منهما فاز فيه، ما دام الاثنان فازا بقلب وحب المشاهد.
هي علاقة رومانسية طفولية بريئة، ولكنها في الوقت نفسه تكاد توازي علاقات الكبار بما تحتويه من أقصى درجات الولع والحب والرومانسية (مشهد سعيد وهو متيم بانعكاس لميعة في المرآة مع المغنية في المقهى)، إلى أقصى درجات الصدّ والزعل والاختلاف (مشهد رمي سعيد لقنينة الكوكاكولا من أعلى سطح المبنى وهو في حالة الإحباط والغضب)، ومن ثم الاشتياق والحب من جديد، في دورة عشق فلكية ليس لها نهاية ولا أفق.
في تجربته السينمائية الطويلة الأولى، والتي تنمّ عن رؤية فنية وسياسية واجتماعية عميقة، يقوم المخرج بكتابة قصيدة شعرية أكثر منها سردية درامية، تحتوي على الكثير من الرموز والمجازات التي أراد المخرج إشراك المشاهد في محاولة اكتشافها وتفكيكها وملء فراغاتها.
سنحاول هنا الإشارة إلى بعض تلك الرموز والمفاتيح، والتي قد تحتمل الكثير من التأويلات ووجهات النظر:• رمزية عنوان الفيلم: لماذا اختار المخرج أن يكون الاسم العربي للفيلم “مملكة القصب” مختلفًا عن الاسم الإنجليزي “The President’s Cake” أو “كعكة الرئيس”؟ قد لا يكون هو الفيلم السينمائي الأول الذي يحمل اسمين مختلفين، وربما يكون ذلك لأسباب تجارية وتسويقية بحتة.
ولكن أيضًا قد لا يكون عشوائيًا، بل مقصودًا ويحمل تأويلات رمزية وفنية.
“كعكة الرئيس” هو عنوان ذو طابع سياسي ملموس وساخر، وبالتالي هو ترجمة حرفية مباشرة لسردية الفيلم الساخرة، وهو أقرب للفهم والذوق العالمي الذي قد لا تكون لديه دراية كاملة بالتاريخ والتراث العراقي.
في المقابل، “مملكة القصب” له بعد أسطوري شعري ورمزي؛ فهو لا يشير إلى عنصر من عناصر الحبكة بشكل مباشر، بل يستحضر عالمًا كاملًا وتاريخًا بكل تعقيداته الاجتماعية والسياسية والحضارية.
وبالتالي يرتقي العنوان العربي بالفيلم من مجرد قصة ظرفية إلى حكاية رمزية أوسع تختزل البعد الشعري والجمال البصري والإنساني لمنطقة الأهوار العائمة فوق الماء وأشجار القصب.
هذا القصب الذي أصبح عنصرًا ملهمًا ومهمًا في حياة الإنسان العراقي معيشيًا وثقافيًا وفنيًا وأدبيًا؛ فهو مرتبط بالكتابة وفنون الخط العربي، وأيضًا بالناي وموسيقى الحزن والشوق والصوت المكبوت.
هذا القصب المفرغ والهش، رغم قوته وصلابته الظاهرية.
لذا، يوحي عنوان “مملكة القصب” بدولة قد يكون لها امتداد تاريخي عريق من الحضارة والثقافة، وقد تبدو ظاهريًا قوية ومنظمة، ولكنها ضعيفة من الداخل، تفتقد للعمق والامتداد الشعبي وتعاني من الفراغ العاطفي والبعد الإنساني.
• رمزية الديك: إلى جانب صديقها سعيد، هناك رفيق آخر للميعة هو ديكها “هندي”، الذي له حضور طاغٍ على مدى زمن الفيلم، ويرافقها طوال رحلة البحث والعناء.
عادةً ما يحمل الطفل لعبة أو حيوانًا أليفًا، ككلب أو قطة أو أرنب أو شيئًا بريئًا ناعمًا وشخصيًا.
ولكن لماذا ديك؟ لا أعتقد بأنه خيار اعتباطي، بل يحمل دلالات رمزية عميقة تُثري معنى الفيلم.
ربما أراده المخرج أن يكون رمزًا بصريًا للتناقض بين رقة الطفولة (الرعاية، والتعلق، والرفقة) مقابل القسوة والقمع وانعدام الحرية (تكميمه وحبسه في كيسه ومنعه من حرية الحركة).
فالديك هو حيوان حر بطبيعته، معروف بصياحه معلنًا الفجر، مما يرمز للوعي والتمرد والصحوة والحقيقة، ولكن في الفيلم تبدو هذه الحقيقة محجوبة مقموعة ومكمّمة، في واقع تسوده رقابة السلطة والخوف والسيطرة والاستبداد.
• رمزية البالون الأحمر: كما هي لميعة وديكها، يرتبط سعيد ببالون أحمر أثناء رحلته في بغداد، حصل عليه، بل لنقل حرره من احدى مركبات النظام التي كانت تجوب الشوارع كدعاية لمناسبة عيد ميلاد الرئيس.
عندها تقول له لميعة" نحن لا نحتاج لهذا البالون" فيرد عليها سعيد حازماً" أنا احتاجه"، وهذا يقول الكثير عن شخصية سعيد.
ذكرني البالون بفيلم فرنسي قصير قديم شاهدته منذ زمن بعنوان The Red Balloon، فيلم جميل من إخراج ألبرت لاموريس عن علاقة طفل ببالون أحمر.
ربما استلهم المخرج حسن هادي هذا الرمز من ذاك الفيلم، وربما ليس كذلك.
في كل الأحوال، فإن توظيف البالون الأحمر، رغم هدوئه وبساطته، لم يأتِ عرضيًا في هذا الفيلم، بل ليحمل في طياته دلالات عاطفية وسياسية وفلسفية عميقة.
على المستوى المباشر، يمثّل البالون براءة الطفولة وجمالها وخفتها وفرحها العابر، في مقابل ملامح القبح والخوف وثقل السلطة التي تثقل كاهل الفيلم.
إنه يسلّط الضوء على ما كان ينبغي للأطفال أن يفعلوه ويمارسوه في حياتهم اليومية، مقابل ما يعانون منه بالفعل.
اللون الأحمر لون زاهٍ ونابض بالحياة كالطفولة ذاتها، ولكنه أيضًا يحمل دلالات العنفوان والتمرد والثورة، وهي صفات تتّسق مع شخصية سعيد المشاغبة.
من الجدير بالملاحظة أنه، بعكس ديك لميعة المربوط طوال الوقت بنوع من اللجام، فإن بالون سعيد حر غير مقيّد، ولا حتى بخيط رفيع.
فالبالون عادةً ما يحلّق بعكس الجاذبية إلى الأعلى، أو بعيدًا عن الواقع، وهذا ما يضفي عليه طابعًا سرياليًا بعض الشيء، وكأنه ينتمي إلى عالم آخر أكثر حرية.
إنه رمز للحلم غير القابل للتحقق دائمًا إذا ما أخذناه في سياق الواقع، وأدركنا مدى هشاشته وقابليته للانفجار في أي لحظة.
المفارقة أن البالون عادةً ما يكون عنصرًا طفوليًا رئيسيًا في احتفالات أعياد الميلاد؛ فهل يكون في سياق الفيلم رمزًا ساخرًا وتهكميًا من المخرج، ومن الطفل سعيد الذي يحتفل بطفولته وبحريته بمعزل عن عيد ميلاد الرئيس، أم هل شطحت بعيدًا وبالغت في التأويل؟ !!أعلاه هي ربما أهم الرموز وأكثرها إثارة، ولكن الفيلم يحتوي على الكثير من الرموز والدلالات الأخرى، والتي تحتمل الكثير من النقاش والتأويل الفني والفكري.
فعلى سبيل المثال، المشهد الذي تدخل فيه لميعة إلى المسجد للصلاة، ويقف سعيد في انتظارها خارج المسجد يداعب بالونه الأحمر؛ مشهد يقول الكثير عن الفوارق والتناقضات في رؤية كلٍّ منهما للحياة والقيم.
هنا لا بد من الإشادة بروعة التصوير في لقطة على مستوى الأرض، تجمع بين ساقي وقدمي لميعة وهي واقفة للصلاة، وباب المسجد المفتوح على سعيد وهو يمارس شقاوته في الخارج.
لقطة سينمائية في قمة الروعة.
كعكة الرئيس يتميز بكونه عملًا هادئًا غنيًا بالمتعة البصرية، يميل إلى السينما الشعرية أكثر من السرد القصصي التقليدي.
يعتمد على بساطة الحبكة والحوارات المقتضبة في مقابل كثافة الصور والرموز، مما يمنحه عمقًا فلسفيًا تأمليًا ويدعو إلى قراءات متعددة بدلًا من معنى واحد ثابت.
من الواضح أن المخرج اختار طاقمه وقادهم ببراعة فائقة، وخصوصًا الممثلين الذين أدّوا أدوارهم بشكل تلقائي غير متكلف.
طبعًا أخص هنا بالذكر الطفلين، وبالذات الطفلة بانين أحمد نايف، بوجهها الذي يكاد أن يختزل كل براءة الكون وأدائها الاستثنائي.
أعتقد أنها لعبت دورًا محوريًا في نجاح الفيلم وكسب تعاطف وقلب المشاهد، بنفس القدر الذي فازت فيه بقلب سعيد.
هناك بعض الملاحظات النقدية البسيطة على الفيلم، تقتصر على بعض الشخصيات والمشاهد التي لم أجد لها تفسيرًا مقنعًا أو مبررًا، كسائق التاكسي واهتمامه ودوره واهتمامه المبالغ فيه إلى حد ما في عملية البحث عن لميعة ورعاية جدتها بيبي.
كما أن الطريقة التي يلتقي بها الناس صدفةً في هذه المدينة الشاسعة وفي مركز الشرطة بالذات هي الأخرى بدت غير مقنعة.
أيضًا، ربما أرادها المخرج أن تكون نهاية حزينة ميلودرامية، ولكن الموت المفاجئ للجدة في المشهد الختامي بدا مفتعلًا لإضفاء طابع مأساوي غير مبرر وغير مهيأ له.
لا يمكن النظر إلى “كعكة الرئيس” كفيلم عابر أو تجربة أولى فحسب، بل كعمل سينمائي ناضج يحمل بصمة فنية واضحة ورؤية إنسانية وسياسية عميقة.
هو صوت هادىء ولكنه عالي النبرة يدين كل أشكال أنظمة القمع والخوف التي تنتهك حرية الإنسان، ورسالة احتجاج ضد القوانين (أو اللاقوانين) الدولية التي تمارس التجويع وتحرم الشعوب الفقيرة من أدنى سبل العيش والكرامة والحلم والحياة.
إنه فيلم عن الطفولة حين تُختبر في أقسى ظروفها، وعن الجمال الذي يقاوم القبح، وعن الأمل الذي يولد من قلب المعاناة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك