على الرغم من أن العديد من الأعمال الفنية التي تناولت سير المشاهير في مجالات متعددة، وعلى رأسها الفن، لم تحقق نجاحاً كبيراً يُذكر أو نتائج لافتة، إلا أن بعض صانعي السينما والتلفزيون في مصر يواصلون الاهتمام بهذه النوعية من الأعمال، ويضعونها نصب أعينهم، رغم السجال المستمر الذي تثيره دراما سير الفنانين والانقسامات الواضحة بين مؤيد لها ومعارض لها.
ويبدو أن بعض هؤلاء المنتجين والمؤلفين يعتبرون هذا الجدل بحد ذاته نوعاً من النجاح أو وسيلة لجذب الانتباه لأعمالهم.
ولم تقتصر الرغبة في تقديم هذه الأعمال على المنتجين والمؤلفين فحسب، بل امتدت أيضاً لتشمل ورثة بعض المشاهير الذين يسعون إلى إحياء سيرهم على الشاشة.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك، ما أعلن عنه ورثة الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب خلال لقاء تلفزيوني لهم، إذ أعربوا عن رغبتهم في تقديم عمل فني يوثق حياة الموسيقار ومسيرته الفنية.
وأعلن ورثة المطرب الراحل عبد الحليم حافظ أيضاً عن استعدادهم الكامل لتقديم كافة التسهيلات اللازمة لتصوير عمل في منزله الحقيقي بالقاهرة، على الرغم من فشل المسلسل السابق الذي تناول سيرة حليم، الذي جسد فيه شخصيته المغني شادي شامل.
يعكس هذا الاهتمام كيف تحول النقاش المحيط بهذه الأعمال إلى جزء من القيمة الإنتاجية والتسويقية للعمل نفسه، حتى قبل بدء إنتاجه الفعلي.
تواجه هذه الأعمال العديد من التحديات والمشكلات، سواء القانونية أو الفنية، منها على سبيل المثال السجال الحالي حول المسلسل المقرر عرضه في شهر رمضان المقبل بعنوان" بين الشك واليقين"، الذي يروي حياة الراحل مصطفى محمود.
يشهد هذا المشروع صراعاً على حقوق الملكية الفكرية بين منتج سابق وشركة فورايفر المملوكة للمنتجة مها سليم، إذ أكدت ابنة مصطفى محمود، أمل، أن شركة مها سليم هي المالكة الوحيدة لحقوق تنفيذ العمل بعد انقطاع صلة المنتج السابق، وسط ترشيحات لفنانين بارزين مثل خالد النبوي وآسر ياسين.
وهنا تتحول السيرة من عمل فني إلى ملف ملكية قانونية معقد، يخضع للنزاع القضائي قبل أن يصل إلى الجمهور.
بدأت الأزمة بإرسال إنذارات قانونية تؤكد انتهاء علاقة المنتج السابق بالمشروع، ما يعني بطلان أي محاولة لإنتاج العمل خارج نطاق شركة مها سليم، التي تمتلك حقوق القصة كاملةً.
وأوضحت ابنة محمود، أن المنتج السابق توقف عن تنفيذ المشروع لفترة طويلة تجاوزت عشر سنوات، ما أتاح تحويل حقوق الملكية قانونياً للشركة الجديدة، وهذا يوضح كيف يمكن للزمن القانوني أن يغير مصير مشروع فني.
في لقاء إعلامي لاحق، كشفت عائلة الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب عن البدء في التحضير لعمل فني يوثق حياة موسيقار الأجيال، مؤكدة أن المشروع لا يزال في المراحل الأولى، أي من ناحية جمع المواد والتدقيق في تفاصيل حياة الموسيقار.
وأكدت الأسرة امتلاكها تسجيلات صوتية أصلية لمحمد عبد الوهاب، ما يضيف قيمة كبيرة للعمل، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف الدقة المطلوبة.
وأوضح عمر، حفيد عبد الوهاب، أن أكبر تحدٍ في إنجاز هذا المشروع يكمن في الرحلة الزمنية الطويلة التي عاشها عبد الوهاب، والتي امتدت لنحو تسعين عاماً، ما يجعل إعداد سيرة حياته أمراً معقداً نظراً إلى اتساع الفترات الزمنية وتنوع مراحلها.
وبالمثل، أعرب ورثة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ عن استعدادهم لدعم وإنتاج فيلم سينمائي ضخم يوثق سيرته، مستلهمين الفكرة من النجاح العالمي الكبير لفيلم" مايكل" الذي تناول حياة مايكل جاكسون.
وكشف عبد الحليم الشناوي، حفيد شقيقة عبد الحليم حافظ، عن الترحيب بتصوير مشاهد الفيلم داخل منزل الفنان في القاهرة، لإضفاء قدر أكبر من الواقعية، إلا أن هذا الاستلهام يضع العمل أمام مقارنة مباشرة مع إنتاجات عالمية ضخمة تختلف في الإمكانات والسياق، ما يشكل تحدياً إضافياً للمنتجين والمؤلفين.
وقد أثارت أعمال السير في مصر العديد من الأزمات في السنوات الأخيرة.
ومن أبرز هذه الأزمات السجال الذي أثير بشأن تجسيد الفنانة منى زكي شخصية أم كلثوم في فيلم" الست".
وعلى الرغم من إشادة بعض أفراد أسرة أم كلثوم بالعمل، إلا أن النقاد والجمهور هاجموه بسبب ما اعتبروه مغالطات تاريخية كثيرة لا تمت بصلة إلى كوكب الشرق.
ويظهر من هذا الصراع التوتر الدائم بين التمثيل الدرامي والذاكرة التاريخية للشخصيات الرمزية.
وأكد بعض النقاد، مثل الأمير أباظة وأمين خير الله، أن العمل احتوى على مغالطات تاريخية كثيرة، في حين أشار الجمهور الذي شاهد الفيلم إلى أن الفنانة منى زكي لم تتعلم من أخطاء تجربتها السابقة في مسلسل" السندريلا"، الذي جسدت فيه شخصية الفنانة سعاد حسني، وهو مسلسل تعرض لانتقادات واسعة، ولم تنس شقيقات الفنانة الراحلة هذا العمل، وهددن باللجوء إلى القضاء إذا ما حاول أي منتج تقديم عمل آخر عن حياة سعاد حسني من دون الرجوع إليهن.
في هذا السياق، تقول الفنانة صابرين، التي جسدت شخصية أم كلثوم في مسلسل يحمل اسمها، في تصريحها لـ" العربي الجديد"، إن الأزمات التي تواجه أعمال السير تعود إلى المقارنات التي يفرضها الجمهور بين الشخصية الحقيقية والشخصية الدرامية، سواء في الأعمال التلفزيونية أو السينمائية، مع وجود نوع من التربص الدائم.
خلافات الملكية أوقفت مشروعاً عن الممثل أحمد زكي رغم بدء كتابتهوأكدت أن تقديم أي فنان لشخصية لها حضورها وتاريخها هو نوع من المغامرة والمخاطرة، وقد يكلف الفنان مسيرته الفنية بالكامل.
وأضافت أن تجربتها مع شخصية أم كلثوم دفعتها إلى قرار بعدم تقديم أي أعمال سير ذاتية مستقبلية، وهو قرار يعكس تجربة شخصية مباشرة مع ضغط المقارنات.
بدورها، تقول المخرجة المصرية إنعام محمد علي (مخرجة مسلسل" أم كلثوم" )، لـ" العربي الجديد"، إن من ينتج هذه الأعمال يجب أن يتحلى بالأمانة العلمية والمهنية، وأشارت إلى أنها كانت تقضي سنوات طويلة في البحث والتنقيب عن حياة المشاهير الذين قدمتهم في مسلسلاتها، وتتعامل مع الموضوع كما لو أنها تقدم بحثاً علمياً، بهدف تقديم حياة هؤلاء الأشخاص إلى الجمهور بأسلوب درامي مشوق.
تؤكد المخرجة أن هذه الأعمال تمثّل توثيقاً تاريخياً لمشاهير أثروا في المجتمع، وتقديمها درامياً وسيلة سريعة لتقديم التاريخ للجمهور.
في هذا السياق، تقول الناقدة خيرية البشلاوي، في تصريحات لـ" العربي الجديد"، إن مسلسل" أم كلثوم"، هو المثال الوحيد الذي نجح في تقديم سيرة بجودة عالية.
تشير إلى أن معظم الأعمال الأخرى التي تناولت السير كانت بعيدة عن الدقة والموضوعية، متوقعة عدم نجاحها منذ البداية.
تفسر سبب نجاح مسلسل" أم كلثوم" فقط بأنه عمل" متعوب عليه"، فقد تمتع الكاتب محفوظ عبد الرحمن والمخرجة إنعام محمد علي، إلى جانب البطلة صابرين، بقدرة فائقة على البحث عن التفاصيل وسرد القصة بأسلوب درامي مشوق.
من جهتهم، أصدر ورثة الفنانة الراحلة هند رستم بياناً إعلامياً شديد اللهجة يحذر من تقديم أي عمل يرصد حياتها، مؤكدين أن أي محاولة للإنتاج من دون الحصول على إذن كتابي سيكون انتهاكاً صارخاً للقوانين المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية.
وأوضح البيان الصادر عن المكتب القانوني لبسنت حسن رضا، ابنة الفنانة الراحلة، أن أي شخص يفكر في تقديم مسلسل بعنوان" هنومة"، الذي يزعم تناول سيرة حياة هند رستم، من دون موافقة الورثة، سيكون مخالفاً للقانون، وأن أي مشاركة في هذا المشروع من شركات الإنتاج أو القنوات التلفزيونية أو المنصات الرقمية ستعتبر غير قانونية، ما يعكس سلطة الورثة في منع أي إنتاج غير مرغوب فيه.
في سياق مماثل، بدأ السيناريست الراحل بشير الديك بكتابة أول حلقتين لمسلسل يرصد حياة الفنان الراحل أحمد زكي، الذي كان مقرّراً أن يقدمه الفنان محمد رمضان بعنوان" الإمبراطور"، إلا أن المشروع توقف بعد تدخل الورثة الذين أكدوا وصية الراحل بعدم تقديم سيرته في أي عمل فني، ما دفع محمد رمضان إلى الإعلان عن تأجيل المشروع.
رغم كل هذه الأزمات، لا يزال الإعلان عن أعمال جديدة قائماً، ما يطرح سؤالاً: لماذا يصر صناع السينما والتلفزيون على تقديم هذه الأعمال؟ وهل توجد أساليب جديدة لتقديمها تجعلها أقل عرضة للمشكلات القانونية والفنية؟ يشير هذا الإصرار إلى أن الجاذبية الإنتاجية لأعمال السير لا تزال أقوى من مخاطرها.
يشير السيناريست محمد الغيطي، مؤلّف مسلسل" الضاحك الباكي" الذي رصد حياة الفنان الراحل نجيب الريحاني، إلى أن أحد أهم العوامل التي تؤثر سلباً على نجاح أعمال السير الذاتية هو جانب الإنتاج نفسه، موضحاً أن العديد من الدول العربية تنتج أعمالاً تاريخية ودينية لأنها تتدخل مباشرةً في الإنتاج، ما يضمن مستوى معيناً من الجودة والدقة في نقل الأحداث، مؤكداً أن تدخل الدولة في إنتاج الأعمال أمر بالغ الأهمية خاصة إذا كانت السير الذاتية تتناول شخصيات لها تأثير إيجابي وبارز في المجتمع.
وأضاف أن هناك حاجة ماسة إلى زيادة إنتاج الأعمال التي تقدم نماذج ناجحة وجديرة بالاقتداء.
أما الممثلة نبيلة عبيد، فتوصي بعدم إنتاج أي مسلسل أو فيلم عن حياتها بعد رحيلها، مؤكدة في تصريحات لـ" العربي الجديد" أنها تحدثت عن هذا القرار مراراً في مقابلاتها، لتجنب ادعاء أي فنان أو مخرج بعد وفاتها بأنها كانت موافقة على العمل.
توضح عبيد أن حياتها وُثّقت من خلال كتاب مذكراتها بعنوان" سينما نبيلة عبيد" للكاتب محمود قاسم، وأنها لا ترغب في تقديم أي أعمال درامية عن حياتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك