وعكس هذا التوجه الروسى نحو الصين رؤية بعيدة المدى بشأن مستقبل علاقات البلدين، أثمر اليوم على هامش الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع معاهدة الصداقة، عن زيارة تاريخية للرئيس الروسى إلى بكين وعقده لقاء مع الرئيس الصينى شى جين بينج، وإصدارهما لبيان مشترك بعنوان" التنسيق الاستراتيجي الشامل بين البلدين" حمّل رؤية واسعة نحو تعميق علاقاتهما الثنائية من خلال توقيعهما لعشرين وثيقة تعاون؛ هدفت إلى تعميق مسار تعاونهما المشترك في اطار التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة والتي أضحت تهدد الامن والاستقرار والسلام العالمى والإقليمي.
ولا شك أن ما تضمنه هذا البيان المشترك عكس بجلاء ما وصلت إليه مسيرة علاقات البلدين كما عبر عنها كل من الرئيسين؛ الرئيس الصينى بقوله: " إن العلاقات واصلت التحسن، وبلغت أعلى مستوى من الشراكة الاستراتيجية الشاملة" في حين وصفها الرئيس الروسى بـ" ودية ودافئة وبنّاءة".
وغنى عن القول إن ما وصلت إليه علاقات البلدين لم يكن من قبيل المصادفة وإنما انطلقت من أسس واضحة ومرتكزات رئيسية حرص على تدشينها البلدين، بما يضمن ليس فقط تحسنها الراهن بل أيضا تعميقها فى المستقبل، ويمكن ان نجمل أبرز هذه الأسس والمرتكزات في نقاط رئيسية، منها:1- التعامل المشترك بينهما قائم على أساس المساواة والاحترام المتبادل.
2- الثقة المتبادلة بما عزز الدعم المتبادل والتواصل الاستراتيجي الوثيق والمستمر على مختلف المستويات.
3- توافق الرؤى بشأن إقامة نظام عالمى أكثر عدلا وديمقراطية.
4- التوافق بشأن التنمية طويلة الأمد والصحية والمستقرة لعلاقاتهما الثنائية وذلك من خلال تفهم كل طرف لاحتياجات ومتطلبات الطرف الآخر، ولعل ما يبرز في هذا المقام ثلاثة أمور مهمة:الأول، حرصهما على الاستفادة الكاملة من ترابط موارد الطاقة بينهما.
الثانى، التخلي عن هيمنة الدولار الأمريكي على حركة التبادل التجارى بينهما، بحيث أضحت جميع تبادلاتهما التجارية تتم حالياً بالروبل (الروسي) واليوان الصينى.
الثالث، الحرص على تنسيق مسار تنميتهما وخططهم بشكل يأخذ في اعتباره متطلبات الحاضر الراهن واستحقاقات قضايا التنمية المستقبلية على غرار الذكاء الاصطناعي والابتكار التكنولوجي والطاقة الجديدة والمتجددة.
ملخص القول، تُعد هذه قراءة أولية لما أفرزته القمة الصينية الروسية التي استضافتها بكين في العشرين من مايو 2026، والتي اكتسبت أهميتها من بعدين مهمين: الأول، أنها جاءت في أعقاب القمة الصينية الأمريكية التي جمعت الرئيسين الصينى والأمريكي في العاصمة الصينية بكين أيضًا قبيل عقد هذه القمة بيومين، ولكنها لم تحظ بكل هذا الزخم الذى حظيت به القمة الصينية الروسية.
الثانى، تعددية المجالات التي أفرزتها القمة سواء على مستوى المواقف السياسية التي عبرت عنها تصريحات الرئيسيين أو ما تضمنته البيان المشترك الصادر في ختام القمة، أو على مستوى التعاون متعدد الملفات التي عبرت عنه العشرون وثيقة التي تم توقيعها على هامش هذه القمة، وهو ما يؤكد على حجم التوافق الصينى الروسي ليس فقط بشأن تعاونهما الثنائى وإنما أيضا بشأن رؤيتهما لتحقيق التوازن على الساحة الدولية، بما يُسهم في حل القضايا العالمية والإقليمية بشكل أكثر عادلة وانصافًا لحقوق الشعوب في مختلف مناطق العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك