ثمة على الساحتين السياسية والإعلامية هذه الأيام ما يغري بالمقارنة بين زيارتي الرئيسين؛ الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، إلى بكين في أسبوع واحد في منتصف مايو/ أيار الجاري، ولقائهما الزعيم الصيني شي جين بينغ، علّ تلك المقارنة تكشف جوهر التطورات السياسية في العلاقات بين الدول الكبرى، وأسرار التنافس المستمر بين الولايات المتحدة والصين على توجيه دفة النظام العالمي وتحديد طبيعته، وما جرى في الحوارات المغلقة بين الزعماء في الزيارتين، وما ستفضي إليه الزيارتان الهامتان المتتاليتان في مختلف الملفات المتوترة؛ الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في شرق آسيا والشرق الأوسط وشرق أوروبا.
لكن، هل ثمة حقاً ما يجعل تلك المقارنة نافعة في فهم ما يجري في العالم؟ علينا من حيث المبدأ التفريق بين شكل الزيارتين ومضمونهما.
فمن حيث الشكل بدت الترتيبات الصينية لاستقبال الرئيسين الأميركي والروسي متشابهة حد التطابق، ما يعني أن بكين حرصت على إظهار عدم مفاضلتها بين الرئيسين من حيث التكريم والاحتفاء والتقدير.
وهذا" الشكل" الذي تملك الصين التحكم فيه وتكراره في الزيارتين، لا يعني أنها لا تريد إثارة حفيظة أي من الرئيسين عبر إظهار أنه أقل أهمية من الآخر، بقدر ما يعني أنها تكشف جوهر نظرتها إلى العالم؛ باعتبارها مركزه وقائده المستقبلي المحتمل.
فالمساواة في الاحتفاء بين الولايات المتحدة وروسيا، رغم عمق" الشراكة الاستراتيجية" التي تربط بكين وموسكو، مقابل الصراع الاستراتيجي الذي يشكل عنوان العلاقة بين بكين وواشنطن، يقدم تأكيداً على ما تكرّره الصين باستمرار: إنها لا تقيم أحلافاً، ولا تريد تكرار نهج الأحلاف، ولا تقسّم العالم إلى معسكرين، ولا تستعمل لغة الحرب الباردة ومفاهيمها وأدواتها، وأن مدى قربها أو بعدها عن الدول تتحدّد في مدى التعاون الاقتصادي والشراكات التنموية وتطابق الرؤى المستقبلية معها، فإن كانت روسيا أقرب لها الآن فهذا لا يعني أنها" حليفتها" بل" شريكتها"، وباب الشراكة مفتوح للجميع بمن فيهم الولايات المتحدة، ما قد يعيد صياغة علاقة بكين مع واشنطن حد الشراكة الاستراتيجية التي تربطها حالياً مع موسكو.
باب الشراكة مفتوح للجميع بمن فيهم الولايات المتحدة، ما قد يعيد صياغة علاقة بكين مع واشنطن حد الشراكة الاستراتيجية التي تربطها حالياً مع موسكووعندما تقول الصين إنها على مسافة واحدة من الجميع، وإن الأمر يتعلق بمدى اقتراب الآخرين منها أو ابتعادهم عنها في الشراكات ومسارات التعاون، فكأنما تقول إنها مركز العالم والآخرون سواء، فكيف لدولةٍ متفرّدة مثلها، تمثل جوهر المستقبل العالمي، أن تقيم أحلافاً فتتساوى مع الآخرين؟ !أما ما لا تملك بكين التحكم فيه، فهو مضمون الزيارتين، إذ هو رهن بحقيقة العلاقات الراهنة بين دولتي الضيف والمضيف، ومدى تطورها وازدهارها، وطبيعتها من حيث التقارب أو الصراع والاختلاف في المرامي والأهداف والتطلعات، ثم نيات كل طرف تجاه الآخر وكيفية نظره إليه.
وهكذا كان مضمونا الزيارتين مختلفين، إذ بينما ساد الحذر والحلول الوسط الممكنة زيارة ترامب، في شؤون التكنولوجيا والتجارة، مع صمت شبه تام عن الملفات السياسية المتعلقة بفتح مضيق هرمز والموقف من تايوان، فيما شهدت زيارة بوتين توثيق الشراكة الاقتصادية بين الصين وروسيا، عبر إصدار بيان مشترك في شأن" مواصلة تعزيز الشراكة الشاملة والتفاعل الاستراتيجي" من بين 44 وثيقة جرى توقيعها، تضمنت أيضاً التأكيد على الرؤية السياسية المشتركة بين البلدين في شأن بناء عالم متعدّد الأقطاب؛ أي على الضد من النظام الدولي أحادي القطبية الذي أقامته الولايات المتحدة منذ ثلاثة عقود ونصف العقد.
وهذا يعني أن المقارنة بين الزيارتين لا تقدّم جديداً في شأن طبيعة العلاقات بين الصين والولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، إذ قالت الزيارتان ما قالته كل الأحداث على مدار السنوات القليلة الماضية، خصوصاً منذ وصول الرئيس شي إلى السلطة في 2013، وبدء تنفيذ مبادرة الحزام والطريق الصينية عام 2015، الذي شهد أيضاً أول استعراض عسكري صيني منذ الحرب العالمية الثانية، ومفاده أن العلاقات بين بكين وموسكو تزدهر على أساس مصالحهما الاقتصادية المشتركة، خصوصاً منذ وقف توريد الغاز الروسي إلى أوروبا عقب اشتعال الحرب الروسية على أوكرانيا، بينما العلاقات بين بكين وواشنطن تميل إلى الصدام وإدانة كل طرف للآخر، والحذر الشديد عند كل فرصة للتقارب بينهما.
العلاقات بين بكين وموسكو تزدهر على أساس مصالحهما الاقتصادية المشتركةوهكذا أصبحت الصين المستورد الرئيسي لصادرات الطاقة الروسية بأسعار تفضيلية تصب في صالح الاقتصاد الصيني، إذ استوردت في الشهرين الأولين من 2026 نحو 21.
8 مليون طن، ما يمثل زيادة قدرها 41% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، تعوّض أي نقص ممكن في الإمدادات من مصادر تقليدية، مثل فنزويلا وإيران ودول الخليج، بينما ما يزال الحوار التكنولوجي والتجاري الذي يشكل أداة الصراع الرئيسية حالياً بين الولايات المتحدة والصين يراوح مكانه، خصوصاً في شأن تصدير المعادن النادرة من الصين إلى أميركا، والسماح ببيع الأجيال الجديدة من الرقائق الإلكترونية الأميركية للصين، وإمكانية إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها كل طرفٍ على بضائع الآخر خلال العام الماضي، أو تخفيضها إلى الحد الأدنى، وماهية الواردات الزراعية التي تعهدت الصين باستيرادها من السوق الأميركية بقيمة 17 مليار دولار حتى عام 2028، ليس من بينها فول الصويا، فضلاً عن تعديل صفقة شراء طائرات بوينغ الأميركية من 500 طائرة إلى 200 فقط.
عندما اصطحب الرئيس الصيني نظيره الأميركي إلى حديقة تشونغنانهاي في اليوم الأخير من زيارته، سأله ترامب" هل اصطحبت أياً من الرؤساء الآخرين إلى هذا المكان من قبل؟ ".
رد شي بأن قلة من الرؤساء الأجانب زاروه، ومنهم بوتين.
والحقيقة أن كلاً من السؤال والإجابة تكشفان التباين في نمط التفكير بين الطرفين.
فالولايات المتحدة تنظر إلى العالم أنه من جزئين: حلفاء وأعداء، أو يتكوّن، بلغتهم السياسية، من محورين أحدهما للخير والآخر للشر.
وهكذا أراد ترامب أن يستفهم من شي إن كان ضيفاً مفضلاً ومميزاً وله قيمة استثنائية بالنسبة للصينيين، وفق طريقة فهمه العالم بين حلفاء مقرّبين وخصوم مدانين، بينما أجابه شي وفق منطقه القائل إن الكل بالنسبة لنا متساوون ونعاملهم باحترام، وننتظر منهم أن يعاملونا بالاحترام نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك