تختلط الأمور في" المحطة" بين الصناديد والمغاوير، والحمر والزرق، وبين حاجز وآخر، ومنطقة وأخرى.
كما يقول أجنبي، يصعب عليه إدراك ما يجري تماماً في اليمن: إنها قصة حرب أهلية، كما يبدو.
صراع شرس بين جهتين، وعواقبه على أبرياء.
أما على ماذا ولأجل من، فلا أحد يدري، وليس عليه انتظار فيلم ليفسّر له.
هذا الفيلم تحديداً غير معنيّ بتفسير.
" المحطة" (2026)، لليمنية الاسكتلندية سارة إسحاق، المعروض في قسم" أسبوع النقاد" بالدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان" كانّ" السينمائي، قصّته بسيطة، بل غاية في البساطة: في مكان ما في اليمن (غير مُسمّى)، تدير ليال (منال المليكي) محطة وقود مخصّصة للنساء فقط، اللواتي يقصدنها مع بيدونات صفراء للتزوّد بما يلزم لبيوتهن، من أجل إضاءة وطبخ، أو لتحضير مناسبة اجتماعية.
في بلد مزّقته الحرب، باتت المحطة في الآن نفسه ملاذاً لهنّ، يعزلهنّ عن يوميات عيش قاسية.
هناك، يتجاذبن الأحاديث، ويتبادلن المزاح، ويتناولن ما تُحضّر أياديهن من طعام وحلويات.
واحة مغلقة، القواعد فيها بسيطة: لا رجال ولا أسلحة ولا سياسة.
مع ليال، يعيش شقيقها الصغير (12 عاماً).
تُغرق نفسها بالديون لحمايته.
إنه محطّ اهتمام المليشيا المحلية لتجنيده.
لإنقاذه، عليها إعادة التواصل مع أختها شمس (عبير محمد)، المُقيمة في المنطقة المُعادية.
معاً، ليس لديهما سوى بضع ساعات لإنجاز المهمة.
تصل الأخت من منطقة المغاوير، بعد مغامرات يمكن تخيّل مشاهدها لكثرة تكرارها في أفلامٍ، حين يكون على شخصية أن تعبر حاجزاً مع غرض مخفيّ، أو شخص مختبئ، أو أدلة تُدين.
تعتمد سارة إسحاق أسلوب الإيحاء، عبر إشارات وصُور، لتوصل فكرة بعينها.
هذا يناسب، بجزء منه، فيلماً كهذا، قرّر الابتعاد عن تفسير السياق.
ملصقات على جدران المدينة تدعو إلى إلزامٍ بتجنيد الصغار، بدءاً من 13 عاماً.
صُور شهداء في كل مكان.
مشهد مؤثّر لمقبرة عامرة بقتلى الحرب.
ميكروفونات تندّد بوسائل منع الحمل، وتدعو إلى كثرة الإنجاب.
قلّت الحوادث في فيلمٍ، لا يفسّر كثيراً لكنه ينجح أحياناً في إبداء أمور عدة، من خلال مشاهد صغيرة، عن شجار أولاد يافعين، وخلافات نساء، ولعب أطفال، تتجلى عبرها الجهوزية التامة لليافعين للعنف والاعتداء، وتوجيه ركلات جسدية ولفظية وجنسية إلى طفل آخر مثلاً، يظهر عبرها ميل الأطفال إلى لعبة الحرب برشاشات خشبية.
كلّ هذا عوّض بعض فجوات في السيناريو، ووفّر عليه شرحاً.
فـ" المحطة" فضّل الاهتمام أكثر بمحوره النسائي، بحوارات فارغة تهدف بمعظمها إلى الترويح عن نفوس بطلاتها، من دون أن تُعنى بإضافة عمق للسرد، أو تدعو إلى تأمّل فيه.
إنها زيارات، على بهجتها، تمثّل إضاعة وقت لصاحباتها ومشاهديها.
تبدو مركّبة بعناية لإبداء ألوان زاهية، وتقاليد وأعراف، تنسي همجية خارجية.
من خلالها، وعبر ما يطرأ من خلافات، يكشف الفيلم التأثير النفسي على شخصيات مُعرّضة لخطر وجودي باستمرار، والخطر هنا الحرب والانقسام الطائفي.
ففي ظروف كتلك، يبدو الجميع متحفّزين ومُتوترين، بل عدوانيين، عند اقتراب مخاطر، ومواجهة مواقف صعبة.
ورغم انسجامٍ ظاهري، كل امرأة، مع استثناءات قليلة، جاهزة لإنقاذ نفسها، بوضع امرأة أخرى في موقف حرج، بل خطر، كأن تهدّدها بإفشاء ما تعرفه من أسرار عنها.
تكرّر هذا مع شخصيات نسائية عدّة، والبطلة إحداهن (مثلاً: تلجأ ليال إلى تهديد المسؤولة المحلية بإفشاء سرها عن إخفاء ابنها، إن لم تساعدها على منع تجنيد أخيها).
لدى كل امرأة مأخذ مُعرضٌ للكشف.
هذا تناوله" المحطة" جيداً، بشكل مُقنع وفعّال في إبداء سلوك عام لأي إنسان ربما، في ظروف الدفاع عن النفس.
نجاح الإخراج في هذا لم يمنع فجوات عدّة في السيناريو (سارة إسحاق ونادية عليوات)، وبساطته الزائدة التي أعاقت وضع الأمور في سياقها، إما لافتراضه أنه قدّم ما يتحتّم عليه، وإما لأنه لم يهتم، فلم يفلح في تقديم شخصيات مقنعة، أو حوارات عميقة تذهب أبعد من الثرثرة الفارغة.
عانى الروائي الأول لإسحاق، بعد وثائقيين اثنين" ليس للكرامة جدران" (2012، 26 د.
، عن مظاهرات جمعة الكرامة، في 18 مارس/آذار 2011، ضد علي عبد الله صالح) و" بيت التوت" (2013، 75 د.
، سيرة ذاتية للمخرجة ووالديها)، بسبب سيناريو قائم على فكرة لم تُطوّر بما تستحقه: تجسيد اليمن المُصغّر وأوجاعه في مكان تجتمع فيه النساء، ويتبادلن الكلام بحرية، بعيداً عن الرقابة الذكورية.
كان يُمكن بناء شخصياته على نحو أعمق وأكثر كشفاً.
ورغم توقّع الكثير من هذه الاجتماعات النسائية، في التعرّف على أفكار النساء وحياتهن في هذه الظروف الشاقّة، مع حرب طال أمدها، لم ينجح الفيلم في تقريب تلك الشخصيات، ولا في إثارة شعور بتلقائية أدائهن جماعةً (باستثناء ليال وشمس)، ولا التعاطف معهن.
افتقدت مشاهد تجمعهن الحيوية والعفوية، وبدا كل مشهد أو كلمة كأنهما عرض نسائي موجّه إلى خدمة قضية ما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك