بعد ثماني سنوات من" حرب باردة" (2018)، يعود بافل بافلكوفسكي إلى لا كروازيت مع" 1949" (" أرض الأجداد"، العنوان الإنكليزي)، المشارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/ أيار 2026) لمهرجان" كانّ" السينمائي: فيلم تأمّل تاريخي ووجودي، يروي قصة الكاتب الألماني توماس مان وابنته إيريكا، اللذين يعودان إلى وطنهما للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
يبدأ" 1949 (أرض الأجداد)" بمكالمة هاتفية طويلة بين كلاوس مان وأخته إيريكا، يفصح فيها عن نظرته القاتمة لمستقبل البشرية.
مشهد طويل بلقطة واحدة، يظهر فيه الكاتب الشاب مُتكئاً على جانب السرير، عارياً ومتجرّداً من كل أمل بالمستقبل: " ينبغي أن نقتل أنفسنا جميعاً، كما فعل شتيفان تسفايغ ووالتر بنيامين"، يُسرّ لأخته بمرارة.
رغم أن كلاوس ظلّ خارج الحقل البصري طوال ما تبقى منه، تُحدّد جرعة خيبة الأمل التي أطلقها في البداية نبرة" 1949" بأكمله.
بغية تجنّب فيلم السيرة الذاتية ووطأته المثقلة بالأحداث، ركّز بافلكوفسكي الأحداث في خمسة أيام، بمزيج من فيلم طريق وفيلم تاريخي كثيف، رغم القِصَر النسبي لمدّته (82 د.
فقط، أقصر مدة بين الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية).
عبر العلاقة بين مان الأب (هانس زيشلر) وابنته إيريكا (ساندرا هولر)، وتردّد صدى العلاقة المتعثّرة للأب مع كلاوس، يحكي" 1949 (أرض الأجداد)" أيضاً قصة عائلية، على خلفية سعي قارة أوروبا إلى لملمة جراحها بعد حرب مأساوية.
إنها مقاربة القصة الصغرى في قلب الكبرى، التي تتّبعها عادة الأشرطة الوثائقية، ما يدل على أنّ رؤية بافلكوفسكي مشغولة بوازع الأصالة، رغم تنصّله من أي واقعية تاريخية.
" العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يتأخّر في الظهور.
في ظلّ هذا الغموض، تظهر الوحوش"، كتب غرامشي.
يتقدّم توماس مان وسط عتمة أوروبا، باحثاً عن كوّة ضوء وجرعة إيمان تمدّانه بطاقة مواصلة الكتابة.
وسط هذه العتمة، يلتقي وحوش الماضي والمستقبل (نازيون متخفّون، وعساكر شيوعيون من مناصري التطهير).
" أوروبا مُقسّمة بين نفوذ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وما تقوله في خطاباتك مجرّد موسيقى خلفية بالنسبة إليهم"، تُسرّ إيريكا بمرارة لأبيها.
لكنّ الأخير يصرّ على المواصلة، متسلحاً بإرث يوهان غوته وروحه، التي تحلّق فوق الفيلم كشبح، أو ضمير أعلى.
يستشهد مان بأفكار غوته عن نبذ النزوع الرومانسي للألمان إلى الموت (بحسب جورج كليمنصو)، ويحثّ على ضرورة معانقة منحى الحياة، للشفاء من تروما الحرب.
برصده تنقّل الكاتب، الحاصل على نوبل الآداب عام 1929، وابنته من فرانكفورت إلى فايمار، يلامس بافل بافلكوفسكي الشرخ العميق الذي يقسّم ألمانيا، ويقف على مرحلة دقيقة تشكّلت فيها ملامح أوروبا جديدة على أطلال القديمة.
وبالأطلال هنا لا يُقصَد فقط حطام المباني، بل أيضاً ركام أفكار ومعتقدات وفن الماضي (أدب ولوحات تشكيلية وموسيقى)، والبحث عن معنى جديد للالتزام والمسؤولية الأخلاقية.
هناك مشهد دال: ينجح أحد المعارضين بالتسلّل إلى غرفة الفندق، حيث يقيم مان بفايمار، ويخبره أنّ نظام ألمانيا الشرقية يزجّ معارضين في المعتقل، من دون أن يحاكمهم، ويستجديه أن يتحدّث عن ذلك في خطاباته، لأن كلمته مسموعة لدى الصحافة الدولية، قبل أن يُقبض على الرجل، ويُسحب من الغرفة (نحو المعتقل بلا شك)، تاركاً وراءه صمتاً عميقاً وحيرة على وجهي مان وابنته، حول جدوى ما يقومان به، إن هما أغلقا أعينهما عما حدث.
في فرانكفورت، يُفرش أمام الكاتب بساط حرية خادعة، لأنّ بوسعه قول كل ما يريد، لكن لا أحد يكترث فعلاً، وبعض رموز الفكر النازي لا يزالون يتجوّلون في الأروقة.
وفي فايمار، تتولّى بروباغندا النظام احتواء كلّ شيء، وقتل كلّ فكر مختلف في المهد.
تكتسي خطب توماس مان الرفيعة، والنقاشات الملهمة حول مستقبل ألمانيا، أهمية خاصة في" 1949 (أرض الأجداد)".
لكنّ ذلك لا يمنع وجود لحظات صمت مطبق، يشوبها سوء الفهم، واللاتواصل وسط أجواء أنطونيونية، لا شكّ أنّ الأبيض والأسود ساهما في توطيدها بتجريديته وطمسه التفاصيل، للتركيز على عمق العلاقات الإنسانية.
يدين الفيلم أيضاً لاشتغال المخرج مع مدير تصويره المُكرّس لوكاس زال على تكوين إطارات فائقة الجمال، إضافة إلى عمل مصمّم الديكور مارسيل يلافينسكي على إعادة بناء منزل توماس مان وفقاً لمخططات وصُور ومقاطع فيديو خاصة بالمنزل الحقيقي.
كذلك استورد الأثاث والديكورات من ألمانيا، لضمان الأصالة، ولرغبة بافلكوفسكي في أن تعجّ الفيلا بالكتب والأعمال الفنية، للتشديد على جوهر عالم مان، المرتكز على الثقافة والأدب والموسيقى، حيث ينسحب منزوياً على نفسه كلما أزعجته الأضواء، وأتعبته الالتزامات.
من دون الإفصاح عن نهايته، التي تدور في كنيسة نصف مدمّرة، ينبغي القول إنها تنهل من إرث روسيليني، وتنبني على العلاقة العميقة للكاتب الألماني بموسيقى باخ، وما تمثله بالنسبة إلى ابنه كلاوس.
وتجيب أيضاً عن التساؤل الضمني الحاضر في العنوان، الذي يتكرّر مراراً في الفيلم، إذ يتساءل مان، المُقيم في الولايات المتحدة سنوات، عن معنى" أرض الأجداد"، وأي مكان يحسّ المرء فيه أنّه في بيته: بلد المولد، أم الأرض التي تستقبل المرء في ظروف حالكة يمرّ بها؟ أم أنّه الأدب، باعتباره موطناً أيضاً، يتقاسم على أرضه الناس وجهات نظر ومُثلاً عُليا، من دون أن يجمعهم رابط لون أو عرق أو ديانة، ومن دون أن تعصف بعالمهم حروب ضارية، حروب الأفكار؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك