فضاء محمود بي بالمدينة القديمة، كان على موعد السبت، مع حفل توقيع ديوان «حفنة ذرات وردية» بتنظيم من منظمة تفاصيل وإدارة الدكتورة وسام بوزقية، وهو الديوان الأول للكاتب والباحث عبدالحكيم الطويل، وذلك بحضور نخبة من الكتاب والصحفيين والمهتمين بشؤون الثقافة والأدب.
الدكتورة وسام بوزقية عرفت الحضور بالسيرة العلمية والعملية للباحث عبدالحكيم الطويل واهتماماته التي تنوعت بين التاريخ والآثار والأدب والخيال العلمي والشعر، فيما تناول الشاعر عبداللطيف البشكار في مقدمته للديوان العناصر الجمالية والأفكار التي ينهض عليها الديوان.
وأشار إلى أن الخروج عن سياق المألوف ومخالفة الأنساق الشائعة مغامرة يتميز بها من امتلك قدرات ابتكارية غريبة عن التقاليد والأعراف السائدة، والقصد هنا المكون الإبداعي في الشعر باعتباره فنا لا يخضع للخطاب المجتمعي المتداول، وإنما لواقع اتصالي محكوم بالإدراك التأملي الحدسي والوجداني، ولا تحكمه المقومات العقلية في الخطاب اليومي المباشر.
أوضح البشكار في قراءته لنصوص الديوان أن الشعر في قالبه الجمالي ينساب إلى عقل المتلقي ووجدانه عبر عروش المجاز وموازين الصرف ومعاني النحو وجبال الدلالة، وهو ما ينعكس في سجايا «حفنة ذرات وردية» للكاتب عبدالحكيم الطويل، فالديوان تنوعت نصوصه في فترات زمنية متباعدة ما جعلها لا تنطبع بنسق محدد يعطي شكلا ثابتا للغة الشعرية، ومن جانب آخر فإن تخصص الكاتب العلمي في المجال النووي انعكس في قصائد الديوان وجعلها مشحونة بروح المصطلحات العلمية وبطابع تأملي.
-للاطلاع على العدد المزدوج «549 ـ 548» من جريدة «الوسط».
اضغط هناالبشكار اعتبر أن الطويل صنف القصائد لتقريب مقصديته إلى أربعة أقسام هي نصوص أثرية، نصوص فلكية، نصوص حاسوبية، نصوص نووية، وقد أدهشه توظيف الطويل لمصطلحات علمية إلى مفردات أخذت دلالات شاعرية بطريقة محكمة ومقنعة للقارئ، لافتا إلى جرأة تتجاوز القوالب النمطية في التعاطي مع قواميس التعبير والإيحاء وبثها شذرات تمزج بين ما هو واقعي ومتخيل دون الوقوع في الصيغ التقريرية الجامدة.
من جانبها قدمت الشاعرة والكاتبة حواء القمودي ملامح من انطباعاتها عن النصوص في كونها مشبعة بنفس وجداني ملهم ودافع للانتقال من محطة زمنية إلى أخرى كطاقة روحية تظلل فضاء الديوان العاكس لرحلة بين الذكريات والصور والمشاعر التي ظلت مبثوثة في الورق حبيسة الأدراج لكنها لم تكن خارج دائرة التفكر وقريبة من روح الكاتب وكان الوفاء لها في هذا الإصدار كعنوان للاحتفاء بالمحبة بوصفها قيمة إنسانية خالدة.
لتعريف المتلقي بالديوان أكد الباحث عبدالحكيم الطويل أن النصوص هي نتاج مخاض طويل امتد عشرين نشر نصين في سنة كتابته لها العام 1985 وظلت البقية مبعثرة، منسية وسط دفاتره الجامعية، وكان تأخر إصدارها بسبب وجهة نظر من الطويل تستند إلى عدم التسرع في الإعلان عن نفسه كناثر، وانشغاله في المقابل بالكتابة في مجالات الآثار والتاريخ والثقافة العلمية وكذا التركيز على كتابة قصص الخيال العلمي.
الطويل لفت في مقدمته للديوان إلى تقسيمات انتهجها في نصوصه لضمان تراتبية فكرية وإيقاعية معينة فمثلا في النصوص (الأثرية) أدخل لمحات مختصرة من تاريخ ليبيا وتراثها وآثارها، حيث تأتي هذه الاستعارات وليدة اللحظة دون هدف خاص بها لذاتها، كرافد لمشاعر النص، تواكب وحاجته الإبداعية، وهي أيضا هدف مستتر في نصوصه.
ولشغفه المبكر بالفلك كانت نصوصه (الفلكية) كما يصف الطويل محاولة لتوظيف أسماء العديد من النجوم والظواهر التي كثيرا ما قرأ عنها واندهش بفرادة جمالها وألوانها وشاعريتها لصياغة صورة نثرية جديدة، معتبرا إياها فرعا من تاريخنا وآثارنا حيث يتساءل: أليس تراثنا يؤكد أننا أول من يهتم بهذه العلوم؟وفي النص (الحاسوبي) كما يسميه، عمل الطويل على تطعيم بعض القصائد بومضات خاطفة لبعض المصطلحات التي وجد لها موسيقى إبداعية ووقعا بلاغيا وكانت التجربة هنا مدفوعة بتساؤل الكاتب: لماذا لا نعيش عصرنا، خصوصا وأن الحاسوب لم يعد اختراعا مستقبليا بقدر ما هو الحاضر الذي نعيشه.
يصف الطويل نفسه هنا بالناثر لا الشاعر وأن يكون مسمى كل نص من نصوصه نثيرة في تجاوز مهدب لجدلية الخلاف التقليدي بين الشعر العمودي والنثر واحتراما لخصوصية القصيدة العمودية، حسب وصفه.
في نصه الأول المدون بتاريخ 1985 تحت عنوان (وتقولون بعد كل هذا هي حية) يمزج الطويل بين ثقافته العلمية وأحاسيسه ورؤيته القريبة من الخدر الصوفي ليصبح النص بانوراما من المناجاة الشعرية تقف ذرات المكان /لناقوس سابغ من السماء /هبط بجلال عرش ملكي).
وتتداعى تلك الأحاسيس إلى خطاب رومانسي مسنود بهذا الدفق الذي عمل على فرش الطريق إلى هذا الاعتراف: أعيش صقيعا حديديا / بعد هجر هالتها /أحرق أوراقي الذابلة الآن / لعل دفئها.
يرطب جليد آمالي).
يستدعي الطويل في نص (ودعت ساحتكم هذه) لغة فلكية محلقا بين النجوم والكواكب نافذا من خلالها إلى الآخر (الأنثى) حيث تحضر كطيف يشاغل دواخل النفس ويستنطق وجهات نظر الذات إلى العالم محمولة على رافعة الحب والتأمل والاكتشاف، فيما يتساءل في نص (تساقط الدقائق) عن ماهية واقع معاش يبدو في ظاهره طبيعيا لكنه خال من مفردات الحس الإنساني، واقع لا ينتمي إلى أحلامنا ولا يريد مغادرتنا: في بلادي /تتساقط الدقائق كما تتلاشى السنون /وتتهاوى الآمال حبات مطر غزير).
تستمر النصوص (محنة حلم ) و(رائحة اهتزازات) و(الضغط الثالث) في إثارة موجة من التساؤلات النفسية عن الكون والإنسان والحياة في كل أبعادها وتتشابك أيضا مع الحلم الخاص بالحياة الفردية التي قد تجد نفسها محاطة بالكثير من الشباك والتابوهات وسياج سميك من التأويلات التي تحاول ممارسة الوصاية على جوهر النفس الإنساني وهو حرية التعبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك