وقّع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قانون تجريم الاستعمار، الذي صدر مساء الخميس في الجريدة الرسمية، بعد أكثر من شهر من إعادة التصويت عليه من قبل البرلمان، وتضمن ترسيم التخلي عن مطلبي" الاعتذار" و" التعويضات"، والتمسك حصراً بمطلب الاعتراف الملزم من قبل فرنسا، القوة القائمة بالاستعمار سابقاً للجزائر قبل عام 1962.
ويحدد القانون مطلباً مركزياً واحداً يتعلق بالسعي لاستصدار اعتراف رسمي وصريح من قبل الدولة الفرنسية بجرائمها في الجزائر، إذ ينص على أن" تسعى الدولة الجزائرية بكل الوسائل والآليات القانونية والقضائية في إطار يضمن الاعتراف الرسمي من طرف دولة فرنسا بماضيها الاستعماري"، و" تتحمل الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية عن ماضيها الاستعماري للجزائر، وما خلّفه من مآسٍ"، كما يطالب الدولة الفرنسية بالمسؤولية عن" تنظيف مواقع التفجيرات النووية الملوثة إشعاعياً وكل موقع طاولته ملوثات مهما كان نوعها، وتسليم خرائط مواقع التفجيرات النووية والتجارب الكيميائية والألغام المزروعة، وتعويض ضحايا أضرار التفجيرات النووية والألغام المزروعة وذوي حقوقهم".
وكان مجلس الأمة الجزائري قد عطّل في يناير/ كانون الثاني الماضي صدور القانون إلى غاية إجراء مراجعة له بشكل توافقي مع الغرفة السفلى للبرلمان، حيث تقرر سحب مطلب التعويض لأسباب سياسية وقانونية، إذ كان عضو مجلس الأمة محمد بلعياشي قد شرح لـ" العربي الجديد" مبررات سحب التعويض بكونه يرفض ما وصفه بـ" تسليع الدم"، ولكون" ذاكرة الجزائر لا تُشترى وغير قابلة للمقايضة، ومهما كانت القيمة من الدولارات والأموال ثمناً للدم، وأي قيمة مادية ما كانت لتساوي تضحيات الشعب الجزائري، بينما نطالب بما هو أعمق، الاعتراف الكامل والصريح بالمسؤولية التاريخية دون ربطه بالتعويضات المادية أو الاعتذار".
ويفسر خبراء في القانون قرار سحب مطلب الاعتذار بعدم منح فرنسا فرصة لإغلاق ملف جرائم الاستعمار، بما فيها الجرائم التي ما زالت تتكشف مع مرور الوقت والزمن.
وقال مصدر جزائري مسؤول، تحفظ في الكشف عن هويته، لـ" العربي الجديد"، إن" هناك تمسكاً بالمطالبة بالاعتراف، فالاستعمار جريمة دولة لا تسقط بالتقادم، ولكونها كذلك، يسقط الاعتذار لكي لا يُطوى ملف جرائم الاستعمار من جهة، وهذا يعني عدم منح فرنسا فرصة للتخفف من مسؤوليتها، لكون الذنب والمسؤولية الجزائية مستمرين عبر الزمن، وهذه المسؤولية المستمرة تتنافى مع الاعتذار ومع الأثر القانوني الذي يخلفه الاعتذار"، مشيراً إلى أن" قانون تجريم الاستعمار يدعو إلى استمرار عمل الدولة وفعالية المجتمع المدني في البحث التاريخي، وهذا سيؤدي إلى اكتشاف المزيد من جرائم الاستعمار وآثارها الممتدة عبر الزمن، ومنح فرنسا فرصة للاعتذار في هذه الحالة معناه غض الطرف عما سيُكتشف مستقبلاً من الجرائم".
وتضمن القانون تسمية 31 جريمة من جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، أبرزها القتل وتوجيه الهجمات العسكرية ضد السكان المدنيين، واستخدام الأسلحة غير التقليدية والمحرمة دولياً، كزرع الألغام والتجارب الكيميائية والتفجيرات النووية والتعذيب الجسدي والاغتصاب والتمييز العنصري والمعاملة اللاإنسانية، والنفي إلى خارج الوطن، والترحيل غير المشروع للسكان المدنيين إلى الجبال والمناطق القاحلة، ومصادرة أملاكهم، والاختطاف والإخفاء القسري للأشخاص، وإقامة المحتشدات والحرمان من التعليم وتدنيس دور العبادة والألقاب المشينة، والسطو على خزينة الدولة الجزائرية.
وتؤكد المادة الخامسة من هذا القانون أن مجموع هذه الجرائم، " جرائم الاستعمار ضد الشعب الجزائري"، " لا يسقط بالتقادم"، سواء التي تم ارتكابها" من طرف عناصر قوات الجيش أو الشرطة أو غيرها من الأجهزة النظامية المسلحة التابعة للسلطات الاستعمارية، أو من طرف مليشيات مسلحة أو أفراد القوات المساعدة، بغض النظر عن دورهم بوصفهم فاعلين أصليين أو شركاء أو بالتحريض المباشر على ارتكابها أو التآمر على ارتكابها بأوامر من ممثلي السلطات الاستعمارية أو السماح بارتكابها".
ويهدف القانون، الذي بات ساري المفعول بداية من اليوم الجمعة، إلى تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ عدوان 14 يونيو/ حزيران سنة 1830 حتى 5 يوليو/ تموز سنة 1962، وكافة آثاره المباشرة وغير المباشرة التي استمرت بعد ذلك، ويصنف القانون الاستعمار الفرنسي للجزائر" جريمة دولة تنتهك المبادئ والقيم الإنسانية والسياسية والاقتصادية والثقافية المكرسة في القوانين والمواثيق والأعراف الوطنية والدولية"، حيث" تعمل الدولة الجزائرية على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار الفرنسي للجزائر ونشرها".
ويلزم القانون الدولة الجزائرية بـ" العمل على استرجاع رفات رموز المقاومة والحركة الوطنية والثورة التحريرية لدفنها في أرض الجزائر"، وعددهم أكثر من 500 مقاوم ما زالت جماجمهم ورفاتهم في متحف الإنسان في باريس.
وسلمت منهم فرنسا إلى الجزائر 24 جمجمة في يوليو/ تموز 2024، لكنها ما زالت تحتفظ بالباقي، كما يشدد القانون على ضرورة" استعادة أموال الخزينة الجزائرية التي جرى السطو عليها، واسترجاع كل القيم المادية والمعنوية المنهوبة أو المحولة إلى خارج الجزائر، بما في ذلك الأرشيف الوطني، كونه يشكل حقاً خالصاً للشعب الجزائري غير قابل للتنازل، وجزءاً لا يتجزأ من ذاكرته الوطنية".
عقوبات ضد تمجيد الاستعماروفي مقابل ضمان الدولة لكرامة كل الجزائريين الذين ساهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في مواجهة الاستعمار الفرنسي أثناء المقاومة الشعبية والحركة الوطنية والثورة التحريرية، يصف القانون العملاء الجزائريين الذين عملوا لصالح الاستعمار بالخيانة، ويُعرفون في التسمية المحلية بـ" الحركي"، وينص على أن" تعد جريمة خيانة كل صور التعاون للحركي ومن في حكمهم مع السلطات الاستعمارية ضد مختلف أشكال النضال والكفاح في سبيل استرجاع السيادة الوطنية والاستقلال".
ويتشدد هذا القانون ضد كل نشاط إعلامي أو ثقافي يروج سردية الاستعمار بأيّة طريقة، حيث يعاقب بالسجن حتى عشر سنوات والحرمان من ممارسة الحقوق الوطنية والمدنية والسياسية كل" من روج للاستعمار عبر نشاط إعلامي أو أكاديمي أو ثقافي أو سياسي يهدف إلى إحياء ونشر الأفكار الاستعمارية و/أو الإشادة بها وإنكار طابعها الإجرامي"، وكذا" كل من مجد الاستعمار، بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة أو الرسم أو بنشر فيديوهات أو صور أو تسجيلات صوتية، بهدف تبرير الاستعمار الفرنسي أو الإشادة به".
وفي حالة العود، تضاعف العقوبة، كما يعاقب" عن كل قول أو فعل أو إشارة أو كتابة أو رسم أو نشر فيديوهات أو صور أو تسجيلات صوتية تهدف إلى الإشادة بدور الأشخاص (العملاء) أو تبرير تعاونهم مع الاستعمار الفرنسي، و/أو إنكار دورهم ضد النضال والكفاح من أجل استرجاع السيادة الوطنية تحت أي ذريعة".
كما ينص القانون على السجن بحق كل من يتعرض للمجاهدين والمناضلين بأي شكل من أشكال الإهانة أو" السب أو الشتم أو التشهير الذي يرتكب ضد شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب نضالهم وكفاحهم من أجل استرجاع السيادة الوطنية"، كما يعاقب" كل من استعمل باللفظ أو الكتابة أو الصورة عبر أي وسيلة أو دعامة للنشر لقباً مشيناً له دلالة استعمارية من شأنه المساس بكرامة الأفراد أو الجماعات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك