أثار بيان لوزارة الدفاع التونسية جدلاً واسعاً في البلاد، بعد قولها أمس الخميس، إنها تلتزم بالحياد، وترفض الزج بها في التجاذبات والمزايدات والتشكيك في حيادها، واستقلاليتها، في بيان لم تتضح خلفياته بعد، خصوصاً أنه لم يطرأ أي مستجد استدعى صدور مثل هذا البيان.
وأكدت وزارة الدفاع، التونسية أن الجيش الوطني هو جيش جمهوري قائم على الانضباط، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن، واستقلاله ووحدة ترابه، في التزام تام بالحياد، واحترام لقوانين الدولة والتراتيب العسكرية.
وتعليقاً على البيان، قال مستشار الأمن القومي السابق، الأميرال كمال العكروت، في تدوينة له، إن" بيان وزارة الدفاع يعكس استشعار المؤسسة العسكرية خطراً داهماً"، موضحاً أنه يحمل قراءة للنصف غير المرئي من النص، بمعنى أنّ صدور مثل هذه البيانات ليس من تقاليد المؤسسة العسكرية في تونس، فقد تميّز بلغة رصينة، وهادئة، وفي الآن نفسه حازمة.
وأشار إلى أنّ البيان لم يتورّط في تسمية أطراف سياسية بعينها، أو الانخراط في خطاب المزايدات، بل ركّز على التذكير بثوابت المؤسسة العسكرية من قبيل الروح الوطنية، ونكران الذات، ومصلحة الوطن العليا، مبيناً أن توقيت صدوره يعكس استشعار المؤسسة العسكرية خطراً داهماً، ناجماً عن الوضعين الاجتماعي والسياسي المتأزمين، ومحاولات الزجّ بالجيش في التجاذبات والصراعات السياسية.
وأكد العكروت أن تشديد البيان على الحياد والاستقلالية، يهدف إلى قطع الطريق أمام أي طرف يسعى إلى توظيف المؤسسة العسكرية أو الاستقواء بها في الصراع السياسي، مبرزاً أنّ الرسالة الأساسية تتمثل في التذكير بهوية الجيش التونسي بوصفه جيشاً جمهورياً، وأن هناك رسائل متعددة الاتجاهات، موجّهة إلى الطبقة السياسية بضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية عن المعادلات الحزبية، وإلى الرأي العام بهدف طمأنة المواطنين بأن الجيش يبقى صِمَام أمان للدولة، إضافة إلى رسائل داخلية ترمي إلى تعزيز الانضباط داخل القوات المسلحة، وتحصينها من تأثير الاستقطاب السياسي.
من جانبه، قال المحلل السياسي، عادل سبيعي، إن بيان وزارة الدفاع لم يكن إدارياً فقط، بل كان رسالة واضحة أغلقت باباً واسعاً من التأويلات.
وأضاف في تدوينة له، أن" البعض بنى تحليلاته طويلاً على الصمت، ولكن الدولة حين شعرت أن اسم مؤسساتها دخل سوق الإشاعات والمزايدات تكلمت بجمل قليلة قلبت حسابات كثيرة".
وأضاف أن تكرار عبارة" الجيش جمهوري" لم يكن تفصيلاً لغوياً عابراً، بل هو تذكير بأن المؤسسة العسكرية تتحرك داخل منطق الدولة واستمراريتها، لا داخل منطق الاصطفافات والرغبات السياسية، مؤكداً أن بيان وزارة الدفاع، في الحدّ الأدنى من القراءة، كشف أنه لا وجود لأي" فيتو" على السلطة القائمة من داخل المؤسسة العسكرية، ومن يعيش على حلم التصدعات قد يوقظه أحياناً بيان قصير، وربما لهذا تحديداً، تبدو كل الطرق إلى حد اللحظة وكأنها تمر عبر محطة 2029 لا غير (موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة)، ولكن التاريخ يقول دائماً إن للمؤسسات حساباتها وللشارع أيضاً كلمته حين تتغير الموازين.
أما المحلل والإعلامي بسام بونني، فيرى أنه ليس لوزارة الدفاع أي تاريخ، في سياستها الاتصالية في الخوض بالشأن العام، بما في ذلك النأي بنفسها عما قد يُستشف منه تدخل، بأي شكل من الأشكال، في السياسة، والاستثناءات القليلة اللافتة كانت أساساً في سياق بعينه ومع شخص بعينه، غداة رحيل زيد العابدين بن علي، حيث ظهر رئيس الأركان رشيد عمار، في مناسبتين، الأولى، بهدف تهدئة الشارع، في ظل حكومة محمد الغنوشي، والثانية لإعلان مغادرته الحياة العسكرية، احتجاجاً على ما وصفها آنذاك بمحاولة تدخل السياسيين في الجيش، ومن ثم، يصبح مجرد الخوض في الشأن العام من الوزارة، في بيان رسمي، مثيراً للانتباه، وقد يكون للقلق أيضاً لدى كثيرين.
إلى ذلك، وفي تعليقه أيضاً على البيان، أكد المحامي محمد المستيري، أنه، بما تضمّنه من حديث عن التجاذبات، والمزايدات، ورفض الزجّ بالمؤسسة العسكرية فيها، يطرح أسئلة أكثر ممّا يقدّم أجوبة.
وبيّن في تدوينة له، أن النقاش في الوضع العام في تونس لم يشهد أصلاً جدلاً جدياً حول دور المؤسسة العسكرية في الشأن العام، ولم تكن المؤسسة العسكرية محلّ تجاذب سياسي مباشر بالمعنى الذي يوحي به البيان، مضيفاً أن هذا البيان، بصيغته الحالية، عمّق الغموض أكثر ممّا قدّم حلولاً أو أجوبة.
ويأتي هذا البيان في الوقت الذي تشهد الساحة التونسية حراكاً غير مسبوق، حيث علّق ناشطون أن وزارة الدفاع التونسية عندما تتكلم، لا بد من الاستماع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك