كشفت مقاطع الفيديو المتداولة عن تورّط المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو في فضيحة سياسية متصاعدة في أرمينيا، بعدما ظهر هو وابنه يناقشان حملات ضغط، وكذلك إزاحة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، بما يُزعم أنه يخدم مصالح موسكو.
وفي إحدى المحادثات المسجلة، يزعم أوكامبو أنه يدير حملة تأثير ودعم قائمة على الذكاء الاصطناعي في منطقة القوقاز، وفق مزاعم نشرتها وسائل إعلام أذربيجانية.
وفي مقطع آخر، يُسمع ابنه توماس وهو يعترف بأن مجموعات ضغط أرمينية قدمت لهم توجيهاً مفاده: " ما نحتاج إلى تحقيقه هو إطاحة رئيس الوزراء باشينيان"، في إشارة إلى نيكول باشينيان، الزعيم الأرميني المقرّب من الغرب.
وفي تسجيل آخر، يقول لويس أوكامبو بشكل صريح إن الأموال اللازمة لمثل هذا النشاط لا تأتي فقط من الأوليغارشيين الأرمن الموالين لروسيا، بل أيضاً من الجالية الأرمنية في الولايات المتحدة.
أول مدعٍ عام للجنائية الدوليةأوكامبو، وهو محامٍ أرجنتيني شغل منصب أول مدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2012، يُعد اسماً بارزاً في أوساط العدالة الدولية، وظهر في منصات قانونية وحكومية رفيعة المستوى، بما في ذلك في منطقة الخليج.
ويخوض رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان انتخابات برلمانية في 7 يونيو/حزيران، في استحقاق يتحول إلى صراع جيوسياسي حول ما إذا كانت أرمينيا ستواصل توجهها نحو الحياد والانفتاح على الغرب، أو ستعود مجدداً إلى دائرة النفوذ الروسي والإيراني، وسط مخاوف من تجدد التوتر مع أذربيجان بشأن الأراضي المتنازع عليها.
وفي بداية مايو/أيار، استضافت أرمينيا قمة أوروبية بارزة في يريفان في إطار رسم مسار الابتعاد عن روسيا، حيث وعدت بروكسل بتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني.
كما يرسل الاتحاد الأوروبي خبراء لمساعدة أرمينيا في مواجهة الدعاية الروسية والهجمات السيبرانية والتدخل في الانتخابات.
وفي العالم العربي، يرى الباحث والكاتب السياسي المختص بالشؤون الدولية، زياد منصور، أن تداعيات أي تغيير سياسي كبير في أرمينيا ستظهر بصورة غير مباشرة عبر انعكاساته على التوازن بين إيران وتركيا، وعلى طرق الطاقة والتجارة الممتدة من آسيا الوسطى إلى شرق المتوسط.
ولفت في تصريحات إعلامية إلى أن تعاظم الدور التركي في القوقاز قد يمنح أنقرة أوراق قوة إضافية في ملفات الشرق الأوسط، بينما قد يدفع تراجع النفوذ الإيراني في الشمال إلى زيادة انخراط طهران في ساحات عربية تعتبرها حيوية لأمنها الإقليمي، مثل العراق وسورية ولبنان.
وأكد زياد أن أي احتمال لرحيل رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان عن السلطة لا يمكن قراءته بوصفه شأناً داخلياً أرمينياً فحسب، بل باعتباره تحولاً قد يعيد تشكيل ميزان القوى في جنوب القوقاز بين إيران وتركيا وروسيا والقوى الغربية.
وأضاف: " منذ حرب كاراباخ الثانية عام 2020، حاولت أرمينيا في عهد باشينيان تخفيف اعتمادها التقليدي على موسكو والانفتاح تدريجياً على أوروبا والولايات المتحدة، مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء قنوات التعاون مع طهران قائمة بسبب الأهمية الجيوسياسية للحدود الأرمينية ـ الإيرانية وممرات النقل الإقليمية".
ولفت إلى أن إيران تنظر إلى استقرار أرمينيا بوصفه عاملاً ضرورياً لمنع احتكار النفوذ التركي ـ الأذربيجاني في القوقاز، وفي المقابل لا ترغب غالبية النخب الأرمينية في التحول إلى ساحة صراع مفتوح بين المحاور الدولية، لأن ذلك قد يعرّض البلاد لعزلة أكبر ومخاطر أمنية متجددة.
وأكد زياد أن تأثير إزاحة باشينيان على النفوذ الإيراني سيتوقف على طبيعة القيادة التي ستخلفه، غير أن طهران قد ترى في مرحلة ما بعده فرصة لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في القوقاز إذا تراجع النفوذ الغربي في يريفان.
وقال إنه يمكن لإيران أن توسع تنسيقها مع النخب الأرمينية الأقرب إلى موسكو أو الرافضة الضغوط الغربية، وأن تطرح نفسها شريكاً للاستقرار ومنع العزلة الجغرافية عن أرمينيا، عبر الحفاظ على الحدود المشتركة ورفض أي تغييرات جيوسياسية تمس ممرات الجنوب الأرميني.
كما أوضح أنها قد تعزز تعاونها الأمني والاقتصادي مع كل من أرمينيا وروسيا بهدف الحد من تنامي النفوذ التركي ـ الأذربيجاني.
أما على الجانب الاقتصادي، فيشير زياد إلى أن طهران قد تسعى إلى تكثيف مشاريع الطاقة والربط التجاري، وتوسيع استخدام الأراضي الإيرانية ممراً بديلاً للتجارة بين الخليج وروسيا وآسيا الوسطى عبر" ممر الشمال ـ الجنوب"، إضافة إلى تطوير خطوط النقل والسكك الحديدية والطاقة العابرة للحدود.
وأضاف أن أي اضطراب داخلي في أرمينيا قد يمنح إيران فرصة لتقديم نفسها ممراً أكثر استقراراً وأقل كلفة للمشاريع التجارية الإقليمية مقارنة بالمسارات القوقازية غير المستقرة.
ممر السلام والازدهار الدوليبالنسبة إلى الخليج، فإن القضية ليست مجرد نزاع داخلي أرميني، فقد أصبح جنوب القوقاز ممراً استراتيجياً متنازعاً عليه يربط أوروبا وتركيا وأذربيجان وآسيا الوسطى وأسواق الطاقة، وسط قلق إيراني وروسي من المسارات المدعومة غربياً التي قد تُضعف نفوذهما.
وفي قلب هذا التنافس يقف مشروع ممر ترامب للسلام والازدهار الدولي، الذي من شأنه أن يمر عبر جنوب أرمينيا ويوفر لأذربيجان رابطاً مباشراً إلى إقليم ناخيتشيفان التابع لها، ثم إلى تركيا.
وبموجب المشروع، ستحصل الولايات المتحدة على حقوق تطوير حصرية للممر، وهو ما قال عنه البيت الأبيض إنه سيدعم زيادة صادرات الطاقة والموارد، بحسب ما أفادت وكالة رويترز.
كل ذلك يجعل تصريحات أوكامبو حول إطاحة باشينيان شديدة الحساسية سياسياً.
فبحسب ميكائيل زوليان، المحلل السياسي في مؤسسة كارنيغي، إن أبرز خصوم باشينيان ينتمون إلى المعارضة الموالية لروسيا في أرمينيا، وأن فوز تلك القوى يعني توجّه يريفان نحو موسكو ووقف عملية السلام مع أذربيجان وتركيا.
وهو ما يؤكده الدكتور زياد بقوله إن القراءة المتوازنة تشير إلى أن استقرار جنوب القوقاز يبقى مصلحة مشتركة للجميع، لأن تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دائم بين المحاور الدولية لن يؤدي إلا إلى تعطيل مشاريع التنمية والربط الاقتصادي التي تحتاجها دول الشرق الأوسط والقوقاز معاً.
دول الخليج.
علاقات متسارعةلم تُقم الرياض ويريفان علاقات دبلوماسية إلا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، لكن العلاقات تطورت سريعاً نحو محادثات تعاون اقتصادي.
ففي أواخر عام 2025، التقى وزير الاقتصاد الأرميني غيفورغ بابويان وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم في الرياض، لبحث التعاون المحتمل في مجالات التكنولوجيا والطاقة والزراعة والسياحة، مع عرض مبادرات أرمينيا لممر مفترق طرق السلام وممر طريق ترامب.
وبالنسبة إلى السعودية، التي تركز بشكل متزايد على طرق التجارة والتنويع والربط الإقليمي، فإن أي عدم استقرار متجدد في أرمينيا سيشكل اضطراباً إضافياً في ممر يربط الطموحات الاقتصادية الخليجية بأوروبا وتركيا وآسيا الوسطى.
ويشمل سجل أوكامبو في الشرق الأوسط استشارة مثيرة للجدل في ليبيا أثارت تساؤلات حول دور المدعين العامين الدوليين السابقين في أعمال النزاعات الخاصة.
ففي عام 2017، أفادت صحيفة" ميديابارت" الفرنسية وشبكة التعاون الاستقصائي الأوروبي (EIC) بأنه تم إعداد عقد في أبوظبي في إبريل/نيسان 2015 بين قناة الحرة وشركة أوكامبو.
وذكر التقرير أن الأتعاب الموعودة بلغت مليون دولار سنوياً لمدة ثلاث سنوات، وأن أوكامبو أكد تلقيه 750 ألف دولار قبل انتهاء العقد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك