حين تجري مراسم تنصيب كيفن وارش رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) اليوم الجمعة، ستمثل بداية مهامه الرسمية لحظة حاسمة بالنسبة للسياسة النقدية والاقتصاد الأميركي.
فقد تجاوز وارش منافسيه في السباق على رئاسة المجلس بفضل انتقاداته لمسؤولي البنك المركزي الحاليين، ورؤيته لخفض أسعار الفائدة، وعلاقته بالرئيس دونالد ترامب.
وتعيد زيادة الطفرات في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تشكيل الاقتصاد بطرق يقول مسؤولو المجلس إنها قد تكون شديدة التأثير على العاملين والشركات والمستهلكين، وسيكون من الصعب على وارش وزملائه تقييمها في الوقت الحقيقي.
في الوقت نفسه، تشهد البلاد تضخماً مرتفعاً بالفعل، ومن المحتمل أن يزيد في ظل صدمات تعرّض لها الاقتصاد تشمل ارتفاع سعر برميل النفط فوق 100 دولار بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وزيادة الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، وارتفاع تكاليف المرافق وغيرها بسبب نشر الذكاء الاصطناعي.
وحصل وارش (56 عاماً) على دعم ترامب لهذا المنصب بعد منافسة علنية على مدى عام بين أبرز المرشحين، ووضع أهدافاً إصلاحية طموحة للبنك المركزي الذي قال إنه بدأ يضل طريقه حين استقال من منصبه السابق كعضو في مجلس محافظي البنك عام 2011 اعتراضاً على شراء مجلس الاحتياطي الاتحادي سندات.
لكنه قد يقضي الشهور الأولى من عمله في معضلة أكثر إلحاحاً، هي ما إذا كان سيضطر إلى رفع أسعار الفائدة لمنع التضخم من تجاوز هدف البنك المركزي البالغ 2% أو يخاطر من البداية بمصداقيته كمكافح للتضخم، وهي الصفة التي سيحكم عليه بها في النهاية.
وقال وارش في جلسة استماع بمجلس الشيوخ لتأكيد تعيينه" التضخم هو خيار مجلس الاحتياطي الفيدرالي"، الذي تمثل سيطرته على أسعار الفائدة على المدى القصير أداة يمكنه استخدامها للتشجيع على الإنفاق أو تثبيطه في محاولة لإبقاء التضخم عند معدل 2% الذي حدّده البنك.
وفشل المجلس في تحقيق هدفه على مدى أكثر من خمس سنوات، والتضخم حالياً فوق المعدل المستهدف بأكثر من نقطة مئوية.
وسيعقد المجلس اجتماعه المقبل يومَي 16 و17 يونيو/ حزيران، وسيصوت صانعو السياسة على أسعار الفائدة ويقدمون أيضاً توقعات اقتصادية جديدة.
وسيكون أحد أول القرارات الجوهرية التي يتخذها وارش هو ما إذا كان سيقدم توقعاته بشأن وضع أسعار الفائدة في نهاية العام وسيكشف هذا ما إذا كانت آراؤه مشابهة لزملائه الذين انتقدهم بسبب" التفكير الجماعي" أو مختلفة مما قد يزيد من إرباك الأسواق.
وقد أثارت هذه الخلفية، المتمثلة في التضخم المستمر والضغوط السياسية، مخاوف بين المستثمرين والمحللين من تعرض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي للتهديد.
وخلال جلسة تثبيته في المنصب، تعهد وارش مراراً بالتصرف باستقلالية، رغم انتقاده للبنك المركزي بسبب ما وصفه بـ" توسيع المهام" وطريقة تعامله مع موجة التضخم بعد الجائحة.
ويبدي بعض حلفاء ترامب حرصاً على مساعدة وارش في تجنّب المصير نفسه الذي واجهه الرئيس المنتهية ولايته جيروم باول، والذي كان أحد الأهداف المفضلة لانتقادات ترامب منذ ولايته الأولى.
فقد أدلى مسؤولون قلقون من تقلبات الأسواق ومدركون لأهمية استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بالنسبة لمستثمري السندات، مثل وزير الخزانة سكوت بيسنت ومقدم البرامج الاقتصادية لاري كودلو، بتصريحات علنية تمنح وارش غطاءً للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لفترة.
ونقلت وكالة بلومبيرغ عن أشخاص مطلعين على الأمر، أنه جرى توجيه رسائل مماثلة بشكل خاص، ويبدو أن هذه الجهود بدأت تؤتي ثمارها، على الأقل في الوقت الحالي.
وعندما سُئل ترامب في مقابلة مع صحيفة" واشنطن إكزامينر" يوم الثلاثاء عمّا إذا كان يعتقد أن وارش سيقود الفيدرالي إلى خفض الفائدة، أجاب بأنه سيترك للرئيس الجديد للبنك المركزي" القيام بما يريد القيام به".
وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد صادق على تعيين وارش في وقت سابق من مايو/ أيار بأغلبية 54 مقابل 45 صوتاً، وهي أضيق نسبة تأييد يحصل عليها رئيس للاحتياطي الفيدرالي في التاريخ، ما يعكس الانقسام الحزبي في الكونغرس ومخاوف الديمقراطيين من احتمال استجابة وارش لضغوط ترامب بشأن أسعار الفائدة.
ووعد وورش بإحداث" تغيير في النظام" داخل البنك المركزي، بما يشمل تقليص الميزانية العمومية للفيدرالي البالغة 6.
7 تريليونات دولار، ووضع إطار جديد لتحليل التضخم، وتغيير أسلوب تواصل المؤسسة مع الجمهور.
لكن أكبر تحدياته قد تكون في مجال السياسة النقدية.
وقبل ترشيحه رسمياً، قدم وورش مبررات لخفض أسعار الفائدة، إلّا أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لا يبدون حماسة لخفض قريب، في ظل القلق من التضخم الذي تسارع في إبريل بأسرع وتيرة منذ عام 2023.
وكان صناع السياسات قد أبقوا أسعار الفائدة دون تغيير الشهر الماضي ضمن نطاق بين 3.
5% و3.
75%، لكنهم كشفوا عن انقسام متزايد بشأن كيفية الإشارة إلى اتجاه السياسة النقدية، في وقت تواصل فيه الحرب مع إيران اضطراب أسواق الطاقة.
ويكتسب انتقال القيادة داخل الاحتياطي الفيدرالي طابعاً غير معتاد بسبب قرار جيروم باول البقاء عضواً في مجلس المحافظين، مخالفاً بذلك تقليد الرؤساء السابقين الذين كانوا يغادرون المؤسسة مع انتهاء ولايتهم القيادية.
وتمتد عضويته حتى يناير/ كانون الثاني 2028.
وقال باول إن التهديدات القانونية المستمرة ضده وضد البنك المركزي لم تترك له خياراً سوى البقاء.
وكان ترامب قد حاول إقالة محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، كما فتحت وزارة العدل تحقيقاً جنائياً بشأن مشروع تجديد مقر البنك المركزي في واشنطن بتكلفة 2.
5 مليار دولار، وهو التحقيق الذي عطل تثبيت وارش قبل أن تعلن المدعية الأميركية جينين بيرو إسقاطه، وأكد باول أنه سيبقى لدعم استقلالية الاحتياطي الفيدرالي عن التدخل السياسي، وليس بهدف تقويض خلفه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك