الشخص الذي لم يكن ينام مرتين في المكان نفسه، والذي أدار بمستوى مرضي من “الميكرو-تكتيك” سياسة العزل والسرية، ونجا لسنوات طويلة بينما كان هدفًا دائمًا للجيش الإسرائيلي و”الشاباك”، صعد فوق سطح الأرض ليلتقي عائلته، فتم اغتياله.
الآن، يُكشف الملف الاستخباري للشخص الذي أصبح الشخصية الأهم في تنظيم حماس: عز الدين الحداد.
وصفته شعبة الاستخبارات العسكرية بأنه شخص شديد الحذر، إلى حدّ يقترب من جنون الارتياب: رجل لا ينام مرتين في المكان ذاته، يدير مستوى الفصل السري وتطبيق القرارات بصورة مرضية حتى أدق تفاصيل النشاط “الإرهابي” ضد إسرائيل، ونجا لسنوات طويلة بينما كان تحت مرمى الجيش الإسرائيلي و”الشاباك”.
لكن الجمعة الماضي، عند الساعة 19: 45، ارتكب عز الدين الحداد أكبر وآخر خطأ في حياته.
لقد صعد فوق سطح الأرض إلى شقة في قلب مدينة غزة ليلتقي بعائلته.
كان واثقًا أن أذرع الأخطبوط الاستخباري الإسرائيلي لن تصل إلى هناك.
لكنه أخطأ.
بعد عملية الاغتيال الدراماتيكية لمن أصبح القائد الفعلي للجناح العسكري ألون بن دافيدوزعيم حماس في القطاع، بات بالإمكان إلقاء نظرة أولى وحصرية على الملف السري الذي كُشف أمام “واللا”.
نقطة التحول الدراماتيكية في قطاع غزة، كما حددتها شعبة الاستخبارات العسكرية، ظهرت في سلسلة التنازلات التي وافقت عليها قيادة حماس.
وكان ذلك حتى قبل اتفاق وقف إطلاق النار الذي قاده ترامب، وقد جاء نتيجة مباشرة للضغوط المكثفة التي مارسها الجيش الإسرائيلي على الأرض.
ذلك الضغط العسكري أفضى إلى إعادة جميع الأسرى الأحياء والجثامين إلى إسرائيل، إلى جانب الموافقة على مبادئ الخطة الأميركية، التي تشمل إعادة إعمار قطاع غزة وانسحابًا من عمق الأراضي الفلسطينية، مقابل نزع سلاح حماس.
وبحسب تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية، بقيادة اللواء شلومي بيندر، كانت حماس في تلك الأيام ضعيفة جدًا، مع سيطرة رخوة على الأرض الفلسطينية، ولذلك وافقت على هذا التحول خلافًا تامًا لسياسات وخطط قيادتها العليا.
وذلك على عكس الوضع الحالي؛ إذ نجحت حماس خلال فترة وقف إطلاق النار في توسيع قاعدة دعمها في الشارع الفلسطيني في غزة، ووُصف هذا الدعم بأنه “مستقر”في المقابل، تؤكد شعبة الاستخبارات أن التهديد القادم من قطاع غزة تراجع بصورة دراماتيكية، بفضل إنجازات الجيش الإسرائيلي وإصرار قائد المنطقة الجنوبية اللواء ينيف عسور على الحفاظ على هذا الإنجاز عبر عمليات الاغتيال والعمليات الاستباقية، بمساعدة وحدات الاستخبارات العسكرية واستنادًا إلى الانتشار على طول “الخط الأصفر”.
لذلك، عند دراسة وضع حماس حتى يوم الجمعة الماضي الساعة 19: 45، أي قبل الاغتيال مباشرة، فإن الشخصية الأهم والأكثر مركزية -من حيث القيادة والعسكر والسياسة والحكم وفهم إسرائيل بعمق- كانت عز الدين الحداد، زعيم حماس في قطاع غزة.
ولإلقاء نظرة داخل “ملف عز الدين الحداد” في شعبة الاستخبارات، تحدثت هذا الأسبوع مع صاحب منصب حساس في الاستخبارات العسكرية، يبلغ من العمر 35 عامًا، بدأ خدمته مقاتلًا في الجيش، ثم تدرج في الرتب، وتسّرح، وعاد إلى الخدمة لأنه شعر أن ذلك “الأكثر معنى وإثارة للاهتمام”، وشغل خلال مسيرته مناصب في شعبة التخطيط.
بعد ذلك، انتقل إلى شعبة الاستخبارات.
وعمل سابقًا في الساحة الشمالية، وخلال العامين الأخيرين بحث ودرس نشاط حركة حماس بعمق في مختلف الساحات، ليس فقط في قطاع غزة، بل أيضًا في الضفة الغربية ولبنان وتركيا وغيرها.
كان يرى في الأسرى أداة يجب الحفاظ عليها لخدمة مصالح حماسوقال الضابط صاحب المنصب الحساس: “عز الدين الحداد من جيل القادة الذين أخرجوا 7 أكتوبر إلى التنفيذ.
شغل كل المناصب الأهم الممكنة خلال مسيرته، وبالتأكيد خلال الحرب.
وفي النهاية، كان قائد لواء غزة، وهو اللواء الأكبر والأكثر أهمية في حماس”.
وفي ما يتعلق بالرواية التي تشكلت حوله داخل المجتمع الإسرائيلي وعلاقته بالأسرى، أضاف الضابط: “في النهاية، الأمر نابع من عقلية نفعية جدًا.
يجب فهم أننا نتحدث عن شخص شديد التركيز على المهمة، يأخذ دوره بجدية كبيرة، وكان مسؤولًا بدرجة كبيرة عن ملف الأسرى.
لقد رأى فيهم أداة يجب الحفاظ عليها لخدمة مصالح حماس.
لذلك، تعامل معهم بالطريقة التي تمكنه من خدمة مصالح حماس والتميز في أداء دوره.
استخدمهم أيضًا لحماية نفسه، ولضمان أن تحصل حماس على ما تريده”.
استمرت مطاردة عز الدين الحداد سنوات طويلة.
وكان مرات عديدة هدفًا للجيش الإسرائيلي و”الشاباك”، بما في ذلك منذ 7 أكتوبر.
ووصفت الاستخبارات العسكرية ذلك بأنه “نافذة فرص”.
وترفض الاستخبارات التقدير القائل إن الحداد طور شعورًا بالحصانة أو بالأمان المفرط بسبب وقف إطلاق النار، وأن هذا الاطمئنان هو ما قاده إلى “خطئه الكبير”.
فالصورة أكثر تعقيدًا.
وأوضحوا أن قادة آخرين في حماس، رغم أنهم لم يشعروا بأي أمان وكانوا في غاية الحذر، ارتكبوا في النهاية خطأً حاسمًا وتم اغتيالهم.
في النهاية، نصل إلى الجميعفي نهاية المطاف، ما أدى إلى خطأ الحداد القاتل كان قراره لقاء عائلته في شقة وسط مدينة غزة فوق سطح الأرض، لأنه اعتقد أنها سرية وأن تفاصيلها ستبقى بعيدة عن أذرع الأخطبوط الاستخباري الإسرائيلي، رغم أن الأجهزة وصفته من قبل بأنه “حذر جدًا إلى حدّ جنون الارتياب”.
وأضاف الضابط: “في النهاية، نصل إلى الجميع.
لا يهم كيف تحاول الالتفاف على ذلك”.
الملف الذي وُضع على مكتب رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء شلومي بيندر، وصف الحداد بأنه قائد من مستوى عالٍ، شديد التأثير وعلى عدة مستويات.
يمتلك قدرة عالية على توزيع الانتباه، ويدير التفاصيل الميكرو-تكتيكية “بأقصى الدرجات”، وفي الوقت نفسه يعرف كيف يجعل الناس يقدّرونه ويحترمونه.
كما ادّعت الاستخبارات أن هذه كانت صورته الذاتية أيضًا: عالية جدًا.
فقد كان يُوصف دائمًا من قبل قيادة حماس العليا بأنه شخصية شديدة الهيمنة، وقيل إنه “لم يصبه الغرور” في أي مرحلة.
وقد برزت شخصيته بشكل خاص خلال التدريبات التي سبقت 7 أكتوبر، حين حضر للإشراف على جودتها مع رائد سعد، القيادي في الجناح العسكري الذي اغتيل خلال الحرب، فيما اتضح لاحقًا أنها كانت تحضيرات للمجزرة.
إضافة إلى ذلك، وُصف بأنه شخص متدين جدًا وأيديولوجي جدًا، حتى مقارنة بعناصر أخرى في التنظيم، وكان يرى في “المقاومة” المسلحة الطريق المركزي والوحيد ضد إسرائيل.
وحتى عندما كان مستعدًا لبعض التنازلات، كان الهدف الحفاظ على بقاء حماس وضمان استمرارها.
وبحسب الضابط، لو استطاع عز الدين الحداد، لكرر 7 أكتوبر بنفس مستوى الوحشية التي خطط لها بنفسه.
وعندما تسلم الحداد قيادة الجناح العسكري، عمل بكل قوته على دفع عمليات واضحة في مختلف أنحاء القطاع: إعادة بناء القدرات العسكرية والحكومية، والاستعداد لهجوم إسرائيلي، وكعادته؛ النزول إلى أدق التفاصيل.
كان صاحب تأثير وهيمنة، ولم يترك الرابط بين القيادة السياسية والسياسات العامة والأيديولوجيا وبين الاتصال المباشر بالميدان.
وقد ظهر “شرّه”، بحسب الملف الاستخباري، في كونه شخصية مسيطرة جدًا، تقود وتوافق على أدق التفاصيل، بما في ذلك المجازر والعنف ضد تجار فلسطينيين لم يلتزموا بسياسات حماس، وإطلاق النار على عائلات وعشائر في القطاع تحدّت سلطته، وعمليات الإعدام في الشوارع باسم الردع، وملاحقة شخصيات اشتُبه بتعاونها.
ولهذا، فإن شخصيته المتطرفة، وتأثيره الحاسم على حماس داخل غزة وخارجها، ومعرفته العميقة بالميدان وبالمجتمع الإسرائيلي، الذي درسه بالتفصيل خلال سنوات سجنه في إسرائيل قبل الإفراج عنه، كل ذلك جعله هدفًا من الدرجة الأولى.
بالنسبة للمؤسسة الأمنية، لم يكن اغتياله مجرد عملية تكتيكية، بل خطوة استراتيجية حاسمة لتغيير ميزان القوى في القطاع.
وبحسب تقديرات الاستخبارات العسكرية، لا يوجد اليوم في الجناح العسكري لحماس شخصيات تمتلك مكانة أكبر منه، خصوصًا بعد سلسلة الاغتيالات المركزة منذ 7 أكتوبر.
التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية الحالية ترسم فراغًا قياديًا عميقًا في قمة حماس.
وحتى الآن، لا توجد في الجناح العسكري شخصية قادرة على تولي المنصب بسلاسة.
وحتى محمد عودة، الذي أشارت تقارير فلسطينية إليه كوريث محتمل، سيجد صعوبة في ملء هذا الفراغ.
ومع ذلك، تقدر الاستخبارات أن حماس ستواصل تحدي إسرائيل في القطاع حتى بعد الاغتيال، وأن “روح المقاومة” ستستمر من داخل الأنفاق والشقق السرية وتحت الضغط العسكري الشديد الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي.
وقال الضابط: “حماس حركة مقاومة إسلامية عسكرية.
هذا جزء عميق من حمضها النووي.
وحتى لو جاء قائد آخر مستعد لاتخاذ اعتبارات براغماتية لفترة قصيرة، وحتى لو كان أقل هيمنة كقائد، تبقى الأيديولوجيا في النهاية هي نفسها”.
وأشار الضابط إلى وجود إيمان داخل حماس بنبوءة الشيخ أحمد ياسين، الذي اغتاله الجيش الإسرائيلي، والتي تقول إن دولة إسرائيل لن تبقى قائمة بحلول عام 2027.
وبحسب تقديرات الاستخبارات، فإن حماس ستجري تعديلات وتبريرات مختلفة إذا لم يتحقق ذلك في 2027، وقد تدفع الجمهور إلى 2028 أو إلى سنة أخرى.
لكنها بقيت وما زالت عقيدة عميقة بأن “الكيان الصهيوني” و”الاحتلال”، كما تراه حماس، “سيزول ويُمحى من العالم”.
وهذه الفكرة تظهر في ميثاق حماس، كما يكرر قادتها ذلك علنًا حتى هذه الأيام.
وفي ختام الحديث، سألت الضابط: إذا سأله أصدقاؤه خارج الخدمة العسكرية عن التأثير الأهم لاغتيال الحداد، ماذا سيقول بلغة بسيطة؟ فأجاب: “التنظيمات الجدية تحتاج إلى قيادة جدية، وأعتقد أن التخلص منه يعني أنه لا توجد اليوم قيادات بمستوى حجمه داخل قمة حماس.
أختصر ذلك بالقول إن هناك تحدياً قيادياً الآن داخل الجناح العسكري، وربما أيضًا تأخيراً في العمليات التي تحاول الحركة دفعها.
وأعتقد أن حماس ما لم تتخلَّ عن سلاحها، فلا أحد محصن في النهاية، وبالتأكيد ليس قائد الجناح العسكري، وأعتقد أن لهذا قيمة استراتيجية كبيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك