يُعد باب النفقة في مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين من أكثر الأبواب التصاقًا بالحياة اليومية للأسرة لأنه يمس احتياجات أساسية لا تحتمل التأجيل: الطعام، والكسوة، والسكن، والعلاج، والتعليم، وكل ما يحفظ للإنسان حياة كريمة.
رفعت فتحي: النفقة قابلة للزيادة أو النقصان متى تغيرت الظروف الاقتصاديةومن جانبه، قال الدكتور رفعت فتحي، أمين عام سنودس النيل الإنجيلي وعضو لجنة صياغة تعديلات قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، إنه من الجوانب الإيجابية في المشروع أنه أفرد للنفقة تنظيما واضحا وجعلها حقا مرتبطا باحتياج مستحقها وقدرة الملتزم بها لا مبلغ جامد منفصل عن الواقع.
كما قرر أن النفقة قابلة للزيادة أو النقصان متى تغيرت الظروف الاقتصادية أو تبدلت أحوال الطرفين، وهو توجه واقعي ومهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتغير أوضاع الأسر من وقت إلى آخر، وقد أوردت النصوص المنشورة أن المواد العامة للنفقة تشمل تعريفها، وضوابط تقديرها، وقابليتها للتعديل، واستحقاقها من تاريخ الامتناع عن أدائها، مع تقرير أولوية دين النفقة على سائر الديون.
وتابع في تصريحات لـ«الوطن»، أن أهمية هذا الباب تظهر أيضا في تأكيده أن النفقة ليست منة من طرف على آخر، بل التزاما قانونيا وأخلاقيا يحفظ كيان الأسرة، فحين يمنح القانون دين النفقة أولوية على غيره من الديون، فإنه يعلن أن احتياجات الزوجة والأبناء ليست مسألة ثانوية، بل حق سابق على كثير من الالتزامات المالية الأخرى؛ لأن الجوع، والمرض، والتعليم، والسكن، لا تنتظر انتهاء الخصومات أو تحسن المزاج أو طول إجراءات التقاضي.
وجوب النفقة بين الزوجين من تاريخ عقد الزواج الصحيحأما فيما يخص نفقة الزوجة، فقد قررت النصوص المنشورة وجوب النفقة بين الزوجين من تاريخ عقد الزواج الصحيح، كما نصت على أن خروج الزوجة للعمل المشروع لا يسقط حقها في النفقة إلا إذا ثبت أن هذا العمل يضر بمصلحة الأسرة، موضحا أن هذه نقطة مهمة لأنها تحمي حق المرأة في العمل وتمنع تحويل خروجها المشروع إلى ذريعة لإسقاط نفقتها أو الانتقاص من حقوقها المالية.
واستكمل «فتحي» أن أكثر المواد إثارة للنقاش هي المادة التي تلزم الزوج بنفقات المعيشة المشتركة وتوجب عليه أن يوفر لأسرته حياة تتفق مع قدرته ومركز الأسرة الاجتماعي لكنها تفتح في الوقت نفسه الباب أمام إلزام الزوجة متى كانت قادرة بالإسهام في هذه النفقات إذا كان دخل الزوج لا يفي بها على أن يراعي القاضي مصلحة الأسرة والقدرة المالية لكل من الزوجين كما تلزم الزوجة بالنفقة على زوجها المعسر العاجز عن الكسب إذا كانت قادرة على الإنفاق عليه.
وأضاف أن هذه المادة تحمل وجهًا إيجابيًا لا يمكن إنكاره فهي تنظر إلى الزواج بوصفه شركة حياة لا علاقة مالية جامدة، وتؤكد أن الأسرة في أوقات الضيق تحتاج إلى تضامن حقيقي بين الزوجين فمن الناحية الإنسانية والمسيحية لا يجوز أن يقف أحد الطرفين متفرجا على انهيار الأسرة إذا كان قادرا على المساندة فالمحبة العملية لا تظهر فقط في أوقات الوفرة، بل تظهر خصوصا حين يتعثر أحد الطرفين ويحتاج إلى سند.
وتابع أن هذه المادة تحتاج إلى قراءة حذرة حتى لا تتحول من نص للتكافل إلى باب لنقل عبء النفقة من الزوج إلى الزوجة فمساهمة الزوجة في نفقات المنزل ينبغي أن تظل استثناء مرتبط بحالة عسر حقيقية لا قاعدة عامة تفرض لمجرد أن الزوجة تعمل أو تمتلك دخلا فالمرأة العاملة لا تفقد حقها في الحماية المالية ودخلها الخاص لا ينبغي أن يصبح مبررا لإعفاء الزوج من مسؤوليته الأصلية تجاه أسرته.
إلزام الزوجة بالمساهمة إجراء استثنائي لا تلقائيلذلك، فإن التطبيق العادل لهذه المادة يقتضي وضع ضوابط واضحة أولها أن يكون إلزام الزوجة بالمساهمة إجراء استثنائي لا تلقائي، وثانيها أن يثبت إعسار الزوج أو عجزه عن الكسب إثباتا جديًا، لا بمجرد الادعاء، وثالثها أن تثبت قدرة الزوجة الفعلية على المساهمة، مع مراعاة احتياجاتها الأساسية وحقوقها الشخصية، ورابعها أن تكون المساهمة مؤقتة وقابلة للمراجعة عند تغير الظروف، حتى لا تتحول إلى التزام دائم يُفرغ مسؤولية الزوج من مضمونها.
ولفت إلى أن أهمية هذه الضوابط تزداد عند الحديث عن نفقة الأبناء فالمشروع يقرر، بحسب النصوص المنشورة، التزام الأب بالإنفاق على أبنائه القُصّر، واستمرار النفقة في حالات معينة مثل الدراسة أو العجز، كما ينظم انتقال الالتزام إلى الأم إذا كان الأب معسرًا، ثم إلى الأجداد والأقارب وفق الترتيب القانوني.
ومن الإيجابيات المهمة أيضًا أن المشروع، في مواد أخرى منشورة، يلزم الجهات الحكومية وغير الحكومية بتقديم بيان بالدخل الحقيقي للمكلّف بالنفقة خلال مدة محددة، بما يشمل عناصر الأجر، كما يجيز الاستعلام عن دخول العاملين بالخارج عبر القنوات الدبلوماسية.
وأشار إلى أن باب النفقة في مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين يمثل خطوة مهمة نحو تنظيم الحقوق المالية داخل الأسرة بصورة أوضح وأكثر واقعية، فهو يحمي حق الزوجة والأبناء، ويعترف بتغير الظروف، ويمنح المحكمة أدوات لتقدير النفقة وضمان تنفيذها.
لكن النص الخاص بمساهمة الزوجة في نفقات المنزل عند تعسر الزوج يحتاج إلى تفسير وتطبيق شديدي الانضباط، حتى يبقى في دائرة التكافل العادل، ولا يتحول إلى عبء جديد على المرأة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك