أثار بيان نادر للجيش الوطني في تونس تحدث فيه عن محاولات لجره إلى مربع التجاذبات السياسية والمزايدات صخباً غير مسبوق في البلاد، خصوصاً أن المؤسسة العسكرية تفاخر بنجاحها في النأي بنفسها عن الانقسامات السياسية التي عرفتها تونس منذ أعوام مما جعلها استثناء في إقليم مضطرب.
وقال الجيش التونسي في بيان له إنه" جيش جمهوري قائم على الانضباط ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، في التزام تام الحياد واحترام لقوانين الدولة والتراتيب العسكرية".
وامتنع الجيش عن الكشف عن الأطراف التي تحدث عن سعيها إلى الزج به وبقياداته في التجاذبات والتشكيك في حيادها واستقلاليته، بحسب البيان، وهو ما زاد من حدة الجدل في شأن هوية هذه الأطراف.
وعلى رغم إحجام وزارة الدفاع التونسية عن ذكر الأطراف التي تسعى إلى إقحام الجيش في السجال السياسي، ربطت أوساط سياسية ذلك بنقاشات دائرة في شأن الوضع السياسي والاجتماعي الذي تشهده البلاد وعلاقة ذلك بالمؤسسة العسكرية.
وعد الباحث السياسي التونسي، بوبكر الصغير، أن بيان الجيش تضمن رسائل كثيرة إلى الداخل والخارج، على حد سواء، لذلك كانت هناك ردود فعل واسعة وجدل كبير في شأنه، ومن بين هذه الرسائل أنه كان يمكن الاكتفاء بمؤتمر صحافي يعقده المتحدث باسم وزارة الدفاع، لكن إصدار الجيش بنفسه البيان يكشف عن حجم تعقيدات الوضع في تونس، فهناك احتقان تام وفقدان ثقة بين جزء من الشارع والطبقة السياسية وبين جزء آخر من الشارع وحتى بعض مؤسسات الدولة.
وقال الصغير في حديثه إلى" اندبندنت عربية" إن" الرسالة الثانية محاولة تأكيد الجيش نأيه بنفسه عن الأزمة السياسية، وذلك من خلال التأكيد في البيان أنه جيش جمهوري محايد لمنع جره إلى التجاذبات السياسية، سواء من قبل شخصيات معارضة أو عبر تدوينات أو تأويلات".
وأوضح أن" الرسالة الثالثة هي نفسية بامتياز إذ سعت المؤسسة العسكرية إلى طمأنة التونسيين في شأن تماسكها وقدرتها على حماية البلاد وأنها ليست طرفاً في الأزمة الراهنة".
رد على المعارضة والمرزوقيبيان الجيش الوطني في تونس يأتي بعد أيام من دعوة الرئيس الموقت السابق المقيم خارج البلاد، المنصف المرزوقي، المؤسسة العسكرية إلى التحرك، وذلك في سياق الحديث عن الأزمة السياسية التي تعرفها البلاد.
وقال المرزوقي في مقطع فيديو بثه عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي" فيسبوك" إنه" على الجيش القيام بدوره التاريخي في حماية سيادة الدولة وكرامتها"، لافتاً إلى أن" الدولة مهددة في ظل السياسات الراهنة" من دون أن يكشف عن طبيعة تدخل الجيش الذي يدعو إليه.
ويعتقد الباحث السياسي التونسي، مراد علالة، أن" الجيش في تونس بعث برسائل عدة بالفعل، مفادها بأن المؤسسة العسكرية تمثل حالاً وجدانية بالنسبة إلى الشارع مقارنة ببقية الدول الأفريقية والعربية وهناك ثقة فيها، وعبر التاريخ لم تكن هذه المؤسسة معنية بالسياسة وإدارة الحكم بل تميزت بأنها جمهورية والتزمت الحياد وقيم الجمهورية".
وأوضح علالة في تصريح خاص أن" هذا البيان يشكل رداً بالفعل على بعض الشخصيات السياسية مثل المرزوقي والمعارضة بصورة عامة ولأصدقاء تونس سواء في الداخل أو الخارج، وهو أن الجيش يمارس دوره وفق القانون وحماية السيادة الوطنية من دون أن يحشر نفسه في النفوذ السياسي أو المالي في البلاد"، وتابع" فكرة دخول الجيش على خط الأزمة السياسية طرحت بالفعل، لكن المؤسسة العسكرية وضعت النقاط على الحروف هذه المرة وأكدت أنها تقف على الحياد".
وأدى الجيش في تونس دوراً مهماً في تأمين الانتخابات البرلمانية والبلدية والرئاسية التي عرفتها البلاد بعد انتفاضة الـ14 من يناير (كانون الثاني) عام 2011، وقاد المعركة ضد الجماعات الإرهابية التي شكلت صداعاً في رأس التونسيين طوال الأعوام الماضية.
وعند بدء حملات التلقيح ضد فيروس" كورونا"، اضطلع الجيش كذلك بدور متقدم وقد ساعد في ترميم وتهيئة منشآت وساحات عمومية خلال الأشهر الماضية، فيما أسندت بعض المهام والمسؤوليات لقيادات منه مثل وزارة الصحة التي يتولاها الأمير لواء مصطفى الفرجاني، مما دفع بالفعل كثراً إلى الحديث عن دور أكبر يقوده الجيش في الأعوام الماضية.
وفي هذا الشأن، اعتبر بوبكر الصغير أن" الأطراف السياسية سعت وأرادت جر الجيش إلى الشأن السياسي، لكن عقيدة المؤسسة العسكرية في تونس تمنع ذلك"، وأضاف" في اعتقادي الجيش باعتبار دوره التاريخي في حماية البلاد يرى أن دوره يشمل كذلك المساهمة في نماء البلاد وتطويرها وتعيين كوادر منه في وزارات ومناصب عليا على غرار الأمير اللواء الفرجاني ما هو إلا اعتراف بكفاءتها".
ومع امتناع السلطات عن التعليق على البيان أو الكشف عن الأطراف التي تسعى إلى جر الجيش إلى الأزمة السياسية، من غير المستبعد أن يتصاعد الجدل في شأن دلالات هذا البيان وتأثيره في المشهد السياسي الراهن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك