في وقت دخلت فيه إيران، بعد أسابيع من الحرب والهجمات العسكرية والأزمة الاقتصادية، مرحلة من وقف إطلاق النار الهش وحالة من الضبابية السياسية، تظهر تقارير وردت إلى" اندبندنت فارسية" بدء موجة جديدة من الضغوط والإجراءات الأمنية في حق النساء المعارضات للحجاب الإجباري، إلى جانب تشديد الملاحقات ضد المقاهي والمطاعم والفنادق في طهران وعدد من المدن الأخرى.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية، إذ أدى التضخم الجامح، والانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات البطالة، والغلاء غير المسبوق، إلى شل حياة ملايين الإيرانيين.
وحتى الإحصاءات الرسمية الحكومية تشير إلى تجاوز بعض مؤشرات التضخم حاجز 100 في المئة.
ومع ذلك، تظهر روايات شعبية متعددة أن النظام الإيراني لا يزال يعتبر مراقبة لباس النساء، وإغلاق المنشآت التجارية، وفتح ملفات قضائية في حق المعترضين، جزءاً أساسياً من مهام الأجهزة الأمنية والشرطية.
وتروي إحدى هذه الشهادات ما جرى في أحد المقاهي بطهران، حيث تعمل شابة فقدت وظيفتها الفنية، واضطرت إلى العمل هناك لتأمين نفقات معيشتها.
وقالت في رسالة إلى" اندبندنت فارسية"، " عصر الخميس اقتحمت قوات دائرة الأماكن العامة برفقة عناصر بملابس مدنية، المقهى وأبلغتنا بإمكان إغلاقه.
كانوا ثلاثة رجال ضخام البنية دخلوا فجأة.
أحدهم لم ينطق بكلمة، بل خفض رأسه واتجه مباشرة إلى المطبخ، ثم التقط صورة لزميلتي التي لم تكن ترتدي الحجاب.
وحين اقترب أحد زملائنا وسألهم عن هويتهم، أظهروا بطاقات دائرة الأماكن وهددوه بألفاظ نابية، قائلين إنه سيتعرض للاعتقال إذا تدخل".
وأضافت" بدأ شخص آخر منهم بالتقاط صور للزبونات غير المحجبات.
وما إن علم صاحب المقهى بالأمر حتى أسرع إلى إبلاغ العاملين بضرورة الطلب من الفتيات تغطية رؤوسهن، لكن المقهى كان كبيراً، وقبل أن يتمكنوا من تحذير الجميع، كانوا التقطوا صوراً لعددٍ منهن".
وبحسب الشاهدة، طالب عناصر بملابس مدنية لاحقاً صاحب المقهى بإبراز الترخيص، وهددوه بإغلاق جميع المقاهي في المنطقة بسبب الحجاب.
وقالوا له" هذا هو الإنذار الأخير، ولن يسمح لكم بعد الآن بتقديم الخدمة لأي زبونة غير محجبة".
وأضافت الشابة" هل يعتقدون أنه إذا امتنعنا عن خدمة الفتيات غير المحجبات، سيبقى لدينا زبائن؟ من بين كل 10 زبونات، تسع لا يرتدين الحجاب.
وفي ظل هذا الغلاء المرعب، من سيدفع إيجار المحل ورواتب الموظفين؟ سنصبح عاطلين عن العمل مجدداً".
تصاعد ضغوط الأجهزة الأمنيةلا تقتصر هذه الروايات على طهران وحدها.
فبالتزامن مع ورود أنباء إلى" اندبندنت فارسية" عن إغلاق مقهى" لاميز" في ساحة الثورة بطهران بسبب عدم الالتزام بالحجاب الإجباري، وردت أيضاً تقارير وشهادات مماثلة من مدن كرج ورشت وشيراز ومشهد وأصفهان وكاشان، تفيد بتصاعد ضغوط الأجهزة الأمنية والعناصر بملابس مدنية على المقاهي والمطاعم ومراكز الإقامة بسبب نوع لباس النساء.
وتقول شابة تبلغ من العمر 26 سنة وتقيم في مدينة شيراز" الأجواء باتت تشبه مجدداً الأشهر التي سبقت الاحتجاجات.
في كل مرة نقرر الذهاب إلى مقهى أو مطعم، نشعر بالتوتر من احتمال اقتحامه فجأة.
حتى إن بعض الأماكن تحذر الزبائن مسبقاً من الدخول إذا لم تكن النساء يرتدين الحجاب".
وأضافت أن كثيراً من المقاهي اضطرت، تجنباً للإغلاق، إلى توجيه تنبيهات للزبائن أو تقييد دخول النساء غير المحجبات، مشيرة إلى أن أصحاب هذه الأعمال يعانون أصلاً ضغوطاً اقتصادية خانقة، والآن يتعرضون باستمرار للتهديد أيضاً.
بالتزامن مع هذه الضغوط أثار خبر إغلاق فندق" عامري" التاريخي في مدينة كاشان بذريعة عدم الالتزام بالحجاب تفاعلاً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي.
وكتب الصحافي الإيراني ياشار سلطاني عبر منصة" إكس"، " أغلق أمس فندق عامري التاريخي في كاشان بسبب الحجاب.
تُرك المسافرون في حالة ارتباك، وفقد 90 موظفاً وظائفهم.
وفي الوقت نفسه، تتكرر ليلاً في الساحات والمراسم الرسمية، مثل فعالية 'جانفدا' (روحي فدا)، شعارات من قبيل 'غير المحجبة أيضاً أختنا'، بينما تظهر بعض النساء بأكثر الأزياء تحرراً في وسائل الإعلام الرسمية".
وبات هذا التناقض من أكثر القضايا إثارة للجدال في الرأي العام الإيراني.
ففي الأسابيع الأخيرة، انتشرت صور متعددة لتجمعات حكومية داعمة للحرس الثوري في العاصمة طهران، ظهرت فيها نساء من المشاركات من دون الحجاب الإجباري، في مشهد يتناقض بوضوح مع أساليب القمع اليومية التي تواجهها النساء العاديات في الشوارع.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وقالت امرأة تبلغ من العمر 31 سنة وتقيم في مدينة طهران لـ" اندبندنت فارسية" إنه" إذا كانت الفتيات المؤيدات للحكومة أو المشاركات في الفعاليات الرسمية لا يرتدين الحجاب، فلا توجد مشكلة، لكن إذا كانت فتاة عادية في مقهى أو في الشارع من دون غطاء رأس، يلتقطون لها الصور ويفتحون ضدها ملفاً قضائياً، أو يتعرضون لها بالاعتداء الجسدي والضرب.
هذا القانون الحكومي القذر يطبق فقط على الناس العاديين".
وبالتوازي مع الضغوط الأمنية، يؤكد أصحاب المقاهي والمطاعم أن الأوضاع الاقتصادية دفعت كثيرين منهم إلى حافة الإفلاس، فيما زادت قرارات الإغلاق المتكررة من تفاقم الأزمة.
ويقول مدير أحد المقاهي في وسط طهران" الناس لم يعودوا يملكون المال، والإيجارات تضاعفت مرات عدة، وأسعار المواد الأولية ترتفع يومياً، والإنترنت لا يزال مقطوعاً، حتى إننا لم نعد قادرين على الترويج لأعمالنا.
وفوق ذلك كله، يمكن لقوات دائرة الأماكن العامة أن تقتحم المكان في أي لحظة وتغلقه".
وأضاف" يبدو فعلاً أن الحكومة لا تدرك أن الناس باتوا يسحقون تحت وطأة هذه الضغوط.
وكأنها تريد بوضوح أن تقول إنها عدوة للناس".
وفي مدينة رشت قال أحد العاملين في مطعم إن عناصر بملابس مدنية دهموا خلال الأسابيع الأخيرة مطاعم عدة، وأغلقوا عدداً من المقاهي والمطاعم، " يلتقطون الصور ومقاطع الفيديو للزبائن، ويغلقون المحال بسهولة تامة.
خلال الأسبوع الماضي فقط، أغلقت ثلاثة مقاهٍ ومطاعم في شارعنا.
في البداية يكون الإغلاق لأسبوع، ثم لشهر، وإذا استمر صاحب المطعم أو المقهى في السماح بدخول النساء غير المحجبات، تُسحب منه رخصة العمل نهائياً".
ويقول ناشطون مدنيون داخل إيران لـ" اندبندنت فارسية" إن النظام الإيراني بعد احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي الواسعة، ثم الحرب الأخيرة، يحاول مجدداً فرض السيطرة على المجال الاجتماعي عبر موجة جديدة من القمع المشدد، لا سيما مع ارتفاع أعداد النساء غير المحجبات في المدن تزامناً مع ارتفاع درجات الحرارة.
وقال ناشط مدني من مدينة أصفهان لـ" اندبندنت فارسية" إن" الحكومة تعرف أنها خسرت عملياً معركة الحجاب، لكنها لا تزال تحاول، عبر الترهيب والضغط، إجبار جزء من المجتمع على التراجع.
المشكلة أن الناس اليوم يواجهون التضخم والفقر والأزمة الاقتصادية، والخوف من الحرب وانعدام الأفق، بينما لا تزال أولوية الحكومة تتمثل في مراقبة لباس النساء".
وبالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، فإن ما يحدث اليوم في المقاهي والمطاعم والفنادق لا يرتبط بالحجاب فحسب، بل يعد رمزاً للفجوة العميقة بين الحكومة ومجتمع يرزح تحت ضغوط اقتصادية ونفسية قاسية، فيما يواجه يومياً مزيداً من القيود والإجراءات الأمنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك