عمان- رغم محدودية موارد الطاقة التقليدية المكتشفة في الأردن واعتماده تاريخيا على استيراد الجزء الأكبر من احتياجاته، إلا أن قطاع الطاقة تمكن خلال السنوات الأخيرة من تحقيق تحولات نوعية عززت أمن التزود بالطاقة ورفعت من قدرة النظام الكهربائي على مواجهة التحديات الإقليمية والاضطرابات الجيوسياسية.
اضافة اعلانوأكد خبراء أن التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وتطوير حقل الريشة، ودخول الصخر الزيتي كمصدر رئيسي للتوليد، إلى جانب تعزيز البنية التحتية للغاز ومشاريع التخزين الكهربائي والربط الإقليمي، شكلت أبرز ملامح التحول الطاقي في المملكة.
كما أشاروا إلى أن هذه الإنجازات لم تقتصر على البعد الفني أو البيئي، بل حملت أبعادا اقتصادية وسيادية، من خلال تقليص فاتورة الاستيراد، وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية، والحفاظ على استقرار النظام، في وقت ما يزال القطاع فيه يواجه تحديات تطوير الشبكات الكهربائية، وتوسيع قدرات التخزين، وضمان استدامة التمويل.
تحويل التحديات إلى إنجازات حقيقيةفي هذا الخصوص، قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية أحمد عوض إن" الذكرى الثمانين لاستقلال الأردن لا تمثل مجرد مناسبة وطنية للاحتفال السياسي والرمزي، بل تشكل فرصة للتأمل في مسار بناء الدولة الحديثة وقدرتها على تحويل التحديات إلى إنجازات حقيقية على مختلف المستويات الاقتصادية والتنموية".
وأضاف عوض" من أبرز هذه الإنجازات ما حققه الأردن في قطاع الطاقة، ولا سيما في مجال الطاقة المتجددة والنظيفة، بعد أن كان لعقود من أكثر الدول اعتمادا على الخارج لتلبية احتياجاته من الطاقة" مشيرا إلى أن المملكة استطاعت خلال السنوات الأخيرة بناء نموذج متقدم نسبيا في هذا المجال رغم محدودية الموارد الطبيعية والتحديات الإقليمية.
وأوضح أن الطاقة المتجددة باتت تنتج اليوم ما يقارب 27 % من الكهرباء المولدة في الأردن، وهو ما يعكس نجاح المملكة في التوسع بمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب تطوير التشريعات والمؤسسات والبنية التنظيمية التي سمحت بتحويل هذا التوجه إلى واقع ملموس، وليس مجرد خطط أو شعارات.
وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية المحدثة للطاقة تتضمن خططا لرفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى أكثر من 30 % بحلول العام 2030، وصولا إلى نحو 50 % في مراحل لاحقة، لافتا إلى أن بعض الرؤى الوطنية تذهب إلى إمكانية تحقيق نسب أعلى إذا ما جرى التوسع في مشاريع التخزين الكهربائي، وتحديث شبكات الكهرباء، والاستفادة بشكل أكبر من الإمكانات الطبيعية التي يمتلكها الأردن في مجالي الشمس والرياح.
وأكد عوض أن هذا التحول لا يحمل بعدا بيئيا فقط، بل يتضمن أبعادا سيادية وتنموية واقتصادية، إذ إن كل ارتفاع في مساهمة الطاقة المتجددة يعني تقليص فاتورة استيراد الطاقة، وتعزيز الاعتماد على الذات، وتخفيف الضغوط على المالية العامة، إلى جانب فتح مجالات جديدة للاستثمار والتشغيل والابتكار.
وأضاف أن إدخال تقنيات تخزين الكهرباء، والطموح للدخول في مشاريع الهيدروجين الأخضر، يمنحان الأردن فرصة ليكون لاعبا أكثر حضورا في اقتصاد الطاقة المستقبلي، خصوصا في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وفي المقابل، أشار عوض إلى أن القطاع ما يزال يواجه تحديات مهمة، أبرزها الحاجة إلى تطوير الشبكة الكهربائية، وتوسيع قدرات التخزين، وضمان استدامة التمويل، وتعميق التصنيع المحلي المرتبط بالطاقة النظيفة، بما يسهم في تعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
المحافظة على استمرارية أداء النظام الكهربائي بكفاءة عاليةمن جهته، قال المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية م.
عبدالفتاح الدرادكة" من أبرز إنجازات قطاع الطاقة والكهرباء خلال الأعوام الأخيرة تمثل في المحافظة على استمرارية أداء النظام الكهربائي بكفاءة عالية، ومن دون انقطاعات على مستوى النظام الكهربائي بشكل عام، إلى جانب ضمان استمرارية عمل محطات توليد الكهرباء وقدرتها على تلبية الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية في مختلف الظروف".
وأضاف الدرادكة" القطاع حقق تقدما مهما في تطوير حقل الريشة الغازي، من خلال الإعلان عن اكتشاف كميات جديدة من الغاز الطبيعي، ما يعزز الآمال بإمكانية الوصول مستقبلا إلى مستويات مرتفعة من الاكتفاء الذاتي في توفير الغاز اللازم لتوليد الكهرباء وتزويد القطاع الصناعي بالطاقة".
وأشار إلى أن الحكومة سرعت خلال الفترة الماضية الإجراءات المتعلقة بمشاريع الهيدروجين الأخضر، لافتا إلى أن آخر هذه الخطوات تمثل بتوقيع اتفاقيات مع شركات محلية وهولندية وإماراتية لإنتاج نحو 100 ألف طن من الأمونيا الخضراء بحلول العام 2030، في إطار توجه المملكة نحو تعزيز استثمارات الطاقة النظيفة ومشاريع الوقود المستقبلي.
وأوضح الدرادكة أن الحكومة أنجزت أيضا الإجراءات الخاصة بمشاريع التخزين الكهربائي باستخدام البطاريات، بهدف تخزين فائض الطاقة المتجددة والاستفادة منه في أوقات الذروة، إلى جانب المضي في مشروع تخزين الكهرباء الهيدروليكي عبر سد الموجب، والذي من المقرر إنجازه في العام 2031.
ولفت إلى أن من الإنجازات المهمة كذلك انتهاء عقود بعض وحدات التوليد الكهربائية في رحاب والعقبة، وإعادة شرائها وتشغيلها من قبل شركة السمرا لتوليد الكهرباء بكلفة تشغيلية فقط، من دون تحمل كلف الاستطاعة التي كانت تقدر بعشرات الملايين من الدنانير سنويا، الأمر الذي انعكس إيجابا على تخفيض كلف النظام الكهربائي.
وأكد الدرادكة أن دخول وحدات توليد الكهرباء في العطارات المعتمدة على الحرق المباشر للصخر الزيتي يعد من أبرز التحولات في قطاع الطاقة، إذ باتت تسهم بما يقارب 16 % من إجمالي استهلاك الكهرباء في المملكة.
وأشار إلى أن هذه التجربة تعد الأولى من نوعها عالميا خارج إستونيا، موضحا أن وحدات العطارات أصبحت حاليا من وحدات التوليد الأساسية في النظام الكهربائي الأردني، وأثبتت كفاءة عالية وموثوقية كبيرة، خصوصا خلال الظروف الإقليمية الأخيرة، حيث لم تتأثر عمليات التوليد فيها، ما جعلها من أكثر وحدات التوليد أمانا واستقرارا في مثل هذه الظروف.
تحول طاقي تدعمه الموارد المحليةمن جهته، قال الخبير في قطاع الطاقة هاشم عقل إن" الأردن استطاع تحقيق تحول طاقي ملموس خلال السنوات الأخيرة، من خلال مضاعفة قدرات الطاقة المتجددة، وتفعيل الموارد المحلية (الصخر الزيتي، غاز الريشة)، وتطوير البنية التحتية للغاز المسال، وتعزيز الربط الإقليمي".
وأضاف عقل" بلغت القدرة الكلية المركبة للطاقة المتجددة نحو 2812.
5 ميغاواط خلال العام 2024" مبينا أن هذه القدرة توزعت بين 1320.
8 ميغاواط عبر أنظمة التوليد الموزع، بما يشمل أسطح المنازل والمنشآت، و1478 ميغاواط من المشاريع الإنتاجية الكبرى، ما يعكس التوسع المتسارع في مشاريع الطاقة النظيفة في المملكة.
وأشار إلى أن من أبرز المشاريع التي أسهمت في هذا التوسع محطة بينونة للطاقة الشمسية بقدرة 200 ميغاواط، ومحطة الطفيلة لطاقة الرياح، إلى جانب عدد من المشاريع الكبرى في معان والمفرق، والتي عززت مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني.
وأضاف عقل أن مزيج الكهرباء في المملكة شهد تحولا ملحوظا خلال الأعوام الأخيرة باتجاه تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، مبينا أن حصة الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء انخفضت من 73 % في العام 2021 إلى نحو 58.
08 % في العام 2024، في المقابل، ارتفعت مساهمة الصخر الزيتي المحلي إلى15 % خلال العام الماضي مقارنة مع 5 % فقط في العام 2022، مدفوعة بالتشغيل الكامل لمحطة العطارات بقدرة 470 ميغاواط.
وفيما يتعلق بملف الغاز الطبيعي المحلي، أكد عقل أن حقل الريشة يمثل أحد أهم الإنجازات الاستراتيجية في قطاع الطاقة، في ظل تقديرات تشير إلى احتياطيات تصل إلى 15 تريليون قدم مكعبة.
وأوضح أن هناك خططا لحفر 80 بئرا جديدة بكلفة تقدر بنحو 174 مليون دولار، بهدف تقليل فاتورة الاستيراد وتوفير الغاز بأسعار تنافسية للقطاع الصناعي، مشيرا إلى توقيع اتفاقية استراتيجية بين شركة البترول الوطنية والشركة الكويتية للحفريات لتنفيذ أعمال الحفر.
وبشأن البنية التحتية للغاز، قال عقل إن" مشروع ميناء الغاز المسال في العقبة يعد من المشاريع الحيوية التي عززت أمن التزود بالطاقة" لافتا إلى اقتراب بدء التشغيل الكامل للوحدة الشاطئية الجديدة بقدرة 700 مليون قدم مكعبة يوميا، والتي ستستبدل الوحدة العائمة الحالية.
وأضاف" المشروع يوفر خيارا استراتيجيا بديلا في حال تعثر الإمدادات التقليدية، كما يسهم في خفض كلفة التوليد من خلال تأمين إمدادات غاز طويلة الأجل".
وأشار عقل كذلك إلى أن مشروع توسعة مصفاة البترول الأردنية يشكل خطوة مهمة نحو تقليل الاعتماد على واردات المشتقات النفطية، مبينا أنه تمت إعادة طرح مشروع المرحلة الرابعة بطاقة 73 ألف برميل يوميا بدلا من 120 ألف برميل، بما يتواءم مع معايير الاستدامة العالمية.
وفي ملف الربط الكهربائي الإقليمي، قال عقل" الأردن عزز مكانته كمحور إقليمي لنقل الطاقة، من خلال التقدم في مشاريع الربط مع دول الجوار، إذ جرى تشغيل المرحلة الثالثة من مشروع الربط الكهربائي مع العراق لزيادة قدرات التبادل الكهربائي وتعزيز فرص التصدير، إضافة إلى دراسة رفع قدرة الربط مع سورية إلى 300 ميغاواط وإعادة تفعيل خطوط الربط المتوقفة منذ العام 2012.
كما أشار إلى أن الأردن يعد من أوائل دول المنطقة في مشاريع تخزين الكهرباء، مستشهدا بمشروع سد الموجب، الذي يعد أول مشروع لتخزين الكهرباء عبر نظام الضخ والتخزين الكهرومائي بطاقة تصل إلى 3150 ميغاواط/ساعة، بالتعاون مع البنك الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك