يرى مراقبون أن اضطرار الطلاب إلى مغادرة مناطقهم والسفر عبر طرق خطرة من أجل الجلوس لامتحانات الشهادة يعكس كيف تحولت الحرب إلى تهديد مباشر لمستقبل التعليم في البلاد.
الخرطوم ـ «القدس العربي»: أثارت أنباء اختطاف 23 طالباً سودانياً من منطقة جبل مرة بولاية وسط دارفور، أثناء توجههم لأداء امتحانات الشهادة السودانية خارج الإقليم، موجة واسعة من القلق والاستنكار، وسط اتهامات وجهتها لجان المقاومة بمدينة الفاشر إلى قوات الدعم السريع بالوقوف وراء الحادثة والمطالبة بفدية مالية مقابل إطلاق سراح الطلاب.
وقالت لجان المقاومة إن الطلاب جرى اعتراضهم أثناء رحلتهم إلى مراكز الامتحانات، قبل أن يتم اقتيادهم إلى جهة غير معلومة، مشيرة إلى أن الخاطفين طالبوا بمبلغ سبعة ملايين جنيه سوداني عن كل طالب مقابل الإفراج عنه.
ووصفت اللجان الواقعة بأنها «جريمة ضد الإنسانية»، مؤكدة أن جميع المختطفين من المدنيين وأن أعمارهم لا تتجاوز الثامنة عشرة.
وتضم قائمة الطلاب المختطفين 23 اسماً، جميعهم من أبناء منطقة جبل مرة، وهي منطقة تقع بين ولايات وسط وشرق وشمال دارفور، وتعد من المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة الممتدة في الإقليم منذ سنوات.
وحسب لجان المقاومة كان الطلاب في طريقهم إلى ولاية أو مدينة أكثر استقراراً للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، بعدما تعذر انعقاد الامتحانات بصورة آمنة داخل مناطقهم.
وطالبت لجان المقاومة في الفاشر بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الطلاب المختطفين، محملة قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن سلامتهم، وداعية المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التدخل العاجل لحماية الطلاب وضمان حقهم في التعليم بعيداً عن مخاطر الحرب والابتزاز والاستغلال.
وتعيد هذه الواقعة تسليط الضوء على التحديات غير المسبوقة التي تواجه العملية التعليمية في السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/ابريل 2023، وهي الحرب التي تسببت في انهيار واسع للخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم، وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح داخل البلاد وخارجها.
وخلال العامين الماضيين، تحولت رحلة الوصول إلى امتحانات الشهادة السودانية إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة لآلاف الطلاب في ولايات دارفور وكردفان وغيرها، حيث اضطر كثيرون إلى قطع مسافات طويلة عبر مناطق اشتباكات ونقاط تفتيش عسكرية للوصول إلى مدن أكثر أمناً تسمح بعقد الامتحانات.
وأثار تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في ظل الحرب جدلاً واسعاً داخل الأوساط السودانية، بعدما رأى معلمون وناشطون وأسر طلاب أن الامتحانات أُقيمت في ظروف غير متكافئة، إذ تمكن الطلاب في الولايات الآمنة أو الآمنة نسبياً من الجلوس للامتحانات، بينما حُرم الآلاف من الطلاب في مناطق النزاع من حقهم في التعليم بسبب انعدام الأمن أو صعوبة التنقل.
وتحدثت جهات تعليمية سودانية في وقت سابق عن أن أكثر من 200 ألف طالب لم يتمكنوا من أداء امتحانات الشهادة السودانية نتيجة الحرب، فيما حذرت منظمات دولية من أن استمرار النزاع يهدد جيلاً كاملاً بالحرمان من التعليم.
كما أعادت حادثة طلاب جبل مرة التذكير بحوادث مشابهة شهدتها ولايات أخرى، خصوصاً ولاية الجزيرة التي خضعت لفترات طويلة لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث تعرض طلاب ومعلمون لمخاطر أمنية أثناء محاولتهم مغادرة مناطق القتال للوصول إلى مراكز الامتحانات في مدن أكثر أمناً، كما تحدثت تقارير عن مقتل أساتذة وطلاب أثناء عمليات النزوح والخروج من بعض مناطق الجزيرة للحاق بامتحانات الشهادة العام قبل الماضي.
ويرى مراقبون أن اضطرار الطلاب إلى مغادرة مناطقهم والسفر عبر طرق خطرة من أجل الجلوس لامتحانات الشهادة يعكس كيف تحولت الحرب إلى تهديد مباشر لمستقبل التعليم في البلاد.
وفي إقليم دارفور غرب البلاد، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً، حيث أدى استمرار القتال إلى إغلاق طرق رئيسية وتعطيل حركة المدنيين، الأمر الذي أدى إلى تصعب انتقال الطلاب والمرضى والنازحين بين الولايات.
كما تعاني مناطق واسعة من دارفور من انقطاع الخدمات التعليمية بشكل شبه كامل، بعد خروج مدارس كثيرة عن الخدمة وتحول بعضها إلى مراكز إيواء للنازحين أو مواقع وثكنات عسكرية.
وكانت لجنة المعلمين السودانيين قد أبدت قلقها العميق إزاء إعلان ما يُعرف بـ«الحكومة الموازية» الموالية لقوات الدعم السريع عن تشكيل لجنة للإشراف على امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة هذه القوات، معتبرة الخطوة مؤشراً على احتمال تقسيم السودان أكاديميا وسياسيا.
ودعت لجنة المعلمين إلى ضرورة الوصول إلى توافق وطني يقود إلى تشكيل «لجنة قومية مستقلة ومحايدة» تضم خبراء تربويين مشهود لهم بالكفاءة لتنسيق إجراء الامتحانات على مستوى البلاد.
وحسب لجنة المعلمين إلى أن الحرب حرمت قرابة 200 ألف طالب وطالبة من الوصول إلى مراكز الامتحانات خلال عامي 2024 و2025 التي انعقد في مناطق سيطرة الحكومة السودانية.
وتتواصل التحذيرات من أن استمرار الأزمة التعليمية في السودان ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، خاصة مع ارتفاع أعداد الأطفال خارج المدارس نتيجة الحرب والنزوح والفقر.
وتشير تقديرات منظمات أممية إلى أن ملايين الأطفال السودانيين باتوا بحاجة إلى دعم تعليمي وإنساني عاجل، وسط مخاوف من ضياع جيل كامل بسبب استمرار الحرب التي دخلت عامها الرابع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك