تسود في الكثير من المواقف اللبنانية الراهنة تجاه إسرائيل مقولات تتجاهل وجود سياسات تعتمدها الأخيرة تجاه محيطها المباشر، أو على الأقل، تعدّ السياسات هذه مجرّد ردود أفعال يمكن على الدوام تجنّبها.
والأرجح أن هذه المواقف، إن استثنينا من يطلقها من المُجاهرين بتوقهم لسلام وتطبيع مع إسرائيل، تبدو غالباً ردّاً على مقولات مضادة سادت لفترة وما زالت اليوم لسان حال حزب الله، ومفادها أن إسرائيل لا تنتظر أبداً ذريعة لشنّ الحروب، وأن الحكي عن مسؤولية «إسناد غزة» أو «الثأر للولي الفقيه» في استجلاب العدوان لا صحة ولا قوام له.
على أن مراجعةً لتاريخ الحروب الإسرائيلية في لبنان تُبيّن تهافت المواقف المذكورة بشقّيها.
فليس صحيحاً على الدوام أن إسرائيل لا تحتاج لذرائع لشن حروبها، رغم استثنائية الدعم الأمريكي لها.
ويُفترض، في أي حال، بكل طرف سياسي أو عسكري أن يفعل ما بوسعه لتجنّب الحروب هذه، خاصة وأن التجارب جميعها أظهرت حجم الأثمان المدفوعة في كل حرب، وفارق القوة النيرانية والتكنولوجية المستمرّ في الاتساع.
وهذا بالطبع ما لم يفعله حزب الله، ومن خلفه إيران، منذ تحرير الجنوب العام 2000.
في المقابل، ليس صحيحاً أن إسرائيل لا تتصرّف إلا وفق إيقاعات خصومها أو جيرانها، وتبعاً لإراداتهم، وكأنها لا تبادر إلا بمقدار المبادرات تجاهها.
ففي قول أمر مشابه جهل بحيثيات سلوك دولة نشأت على معادلتين: معادلة احتلال الأراضي والتوسّع فيها، ومعادلة «ردع» الجيران عبر إنزال أكبر الخسائر دورياً فيهم لإبقائهم تحت سطوتها والخشية من أفعالها.
ولتنفيذ ذلك، عمدت تل أبيب على الدوام إلى التهجير والقتل والتدمير وسرقة المياه وحرق الزراعة، وإلى التحالف مع جيران الجيران لمحاصرتهم (إيران الشاه وتركيا العسكر وإثيوبيا لفترة طويلة، وأذربيجان والهند وإثيوبيا تكراراًمنذ سنوات)، والاتكال على الدعم الأوروبي في الخمسينات والستينات ثم الدعم الأمريكي ابتداءً من السبعينات لفرض هيمنتها.
هكذا، شنت الجماعات الصهيونية بعد مجازر العامين 1947 و1948 وعمليات الاستيلاء على الأراضي والتطهير العرقي في فلسطين والمواجهة الأولى لدولة إسرائيل مع بعض الجيوش العربية (وما تخلّلها من هجمات داخل الجنوب اللبناني والقتل في بلدة حولا)، حرباً على مصر العام 1956 بالتحالف مع فرنسا وبريطانيا لأسباب لا «علاقة مباشرة» لها بها (تأميم قناة السويس ودعم عبد الناصر لحرب التحرير في الجزائر)، وإنما من أجل ضرب الدولة العربية الأكبر ومنع تحوّلها إلى قوة سياسية وعسكرية واقتصادية فاعلة.
وهكذا أيضاً، شّنت حربها الخاطفة، بذرائع استباقية وعلى أساس التحجّج بإجراءات مصرية وتهديد سوري، العام 1967، فاحتلّت القدس الشرقية والضفة وغزة ثم سيناء والجولان ومزارع شبعا (المملوكة من لبنانيين والواقعة داخل الأراضي السورية).
وبين أواخر الستينات والعام 1978، هاجمت إسرائيل مطار بيروت ودمّرت الطائرات المدنية فيه بحجة تسلّل مقاتلين فلسطينيين منه لتنفيذ عملية في أثينا (وهي ذريعة لا مثيل لها في العالم، إذ يكفي تخيّل المطارات التي يمكن لدول قصفها إن اتّهمت مسافراً باستخدامها في تنقّلاته السابقة لخطفٍ أو لعمل أمني)! وقصفت بلدات جنوبية لبنانية رداً على عمليات فلسطينية عبرها بعد صعود الكفاح المسلّح وتركّزه في جنوب لبنان.
وهذا يُعتبر «عقوبة جماعية»، أي أنه جريمة حرب في القانون الدولي الإنساني.
ويجدر بنا التذكير هنا بثلاثة أمور حول القتال الفلسطيني وقتها.
الأول أنه لم يحصل سوى بعد عشرين عاماً من تهجير الفلسطينيين إلى لبنان، وبعد فقدان الأمل بالحلول السياسية وبقرار الأمم المتحدة للعام 1949 الخاص بحق العودة.
والثاني أنه جاء في وقت كان الفلسطينيون المحرومون من كامل حقوقهم المدنية منذ وصولهم إلى بيروت (وحتى اليوم) يعانون من تضييق أمني إضافي على مخيماتهم المنتشرة فوق الأراضي اللبنانية.
والثالث أنه تصاعد بعد الصدام العام 1970 مع الجيش الأردني في المملكة الهاشمية التي «وطّنت» أو «جنّست» جميع اللاجئين إليها قبل العام 1967، فباتوا أكثرية ديموغرافية نسبية بين مواطنيها.
وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية العام 1975، بات للجيش الإسرائيلي عمليات مباشرة داخل الأراضي اللبنانية دعماً لميليشيات تحوّلت لاحقاً إلى جيش لبنان الحر ثم جيش لبنان الجنوبي، وكانت درعه اللبناني المباشر.
تخلّل نشوءَها وتحوّلاتها اجتياحا العامين 1978 و1982 وجرائمهما وإنشاء الشريط الحدودي ورحيل المقاتلين الفلسطينيين وتتابُع حقبات الحرب اللبنانية والتدخّلات السورية وهيمنة نظام الأسد على أجزاء من لبنان، ونشوء حزب الله وتحوّله بعد سنوات قاد فيها اليسارُ مقاومة إسرائيل إلى القوة الرئيسية في هذه المقاومة، لأسباب إقليمية وداخلية، حتى التحرير العام 2000.
ولعلّ ما جرى بعد التحرير يدفعنا إلى تقييم جديد لصفحةٍ ما زالت مفاعيلها تعصف بلبنان اليوم في حرب تدميرية لم يسبق أن شهد البلد والمنطقة ما يماثلها من قبل، باستثناء غزة، لجهة التدمير الكامل لقرى وبلدات وتهجير لجميع سكّانها على نحو يصعب تخيّل عودتهم في المقبل من الأشهر، وربما من السنوات.
إسرائيل و»الشرق الأوسط الجديد».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك