عادت قضية حي شمال السكة في مدينة الرقة، شمال شرقي سورية، إلى واجهة الجدل المحلي، بعد إعلان محافظة الرقة خططاً لتنظيم المنطقة ضمن مشروع عمراني تقول إنه يستهدف معالجة واقع العشوائيات، وتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، بينما يرى البعض أن المشروع يهدد استقرار آلاف العائلات، ويثير مخاوف واسعة بشأن مصير منازلهم ومستقبلهم.
وتحوّلت القضية خلال الأيام الماضية إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش في المدينة، مع خروج وقفات احتجاجية متكررة لسكان المنطقة، في مشهد يعكس حجم القلق الشعبي والهوة المتراكمة من انعدام الثقة بين السكان والسلطات بعد سنوات طويلة من التحولات السياسية والإدارية التي عاشتها الرقة.
وتؤكد محافظة الرقة أن مشروع تنظيم شمال السكة لا يتضمن إخلاء السكان أو هدم منازلهم من دون بدائل، بل يقوم على إعادة تخطيط المنطقة، وتأمين مساكن جديدة للأهالي داخل الموقع نفسه، في حين يخشى السكان أن ينتهي المشروع بإزالة منازل بنوها خلال عقود طويلة من العمل والنزوح والديون.
ويقول سكان إن المنطقة، رغم افتقارها الخدمات الأساسية والبنى التحتية، أصبحت خلال العقود الماضية موطناً لآلاف العائلات التي استثمرت كل ما تملك في بناء مساكنها، ما جعل أي حديث عن إعادة تنظيمها يلامس قضية تتجاوز التخطيط العمراني إلى شعور الناس بالأمان والاستقرار.
وتجلّت هذه المخاوف في الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة خلال شهر مايو/أيار الجاري، إذ رفع السكان شعارات رافضة المشروع بصيغته المطروحة، مطالبين بحلولٍ تحفظ حقوقهم ومساكنهم.
وتقول فاطمة زينو (46 عاماً)، وهي من سكان المنطقة لـ" العربي الجديد": " نحن أرامل وفقراء ولدينا أطفال صغار، وكل أهل الحارة فقراء، ونحن مديونون حتى الآن بثمن الإسمنت والبحص لتعمير هذه البيوت، وليس لدينا مكان آخر نذهب إليه.
نرجوكم لا تهدموا بيوتنا".
أما محمد الحمود، فيستحضر تاريخاً طويلاً من الاستقرار في الحي قائلاً: " عائلاتنا هنا منذ 60 سنة، أين نذهب؟ نريد البقاء هنا"، مضيفاً أن تطوير المدينة يجب ألا يكون على حساب الفقراء الذين أمضوا سنوات طويلة في بناء منازلهم.
وتظهر مخاوف أخرى لدى السكان مرتبطة بطبيعة البدائل المقترحة.
يقول بدر السعفان، وهو من سكان المنطقة، إن وضعه الصحي وظروف أسرته، ووجود ابن لديه من ذوي الإعاقة، يجعل الانتقال إلى شقق سكنية أمراً صعباً، خصوصاً أن منزله بات أيضاً مصدر رزقه.
ويضيف فارس الحمدان أن كثيراً من سكان الحي أمضوا سنوات طويلة في الغربة والعمل حتى تمكنوا من بناء منازلهم، مضيفاً أن الأهالي يشعرون اليوم بأن سنوات طويلة من التعب والاستقرار باتت مهددة.
في المقابل، شدد سكان آخرون على رفضهم أي حلول لا يشاركون في صياغتها أو تمس استقرارهم ومساكنهم.
من جانبه، قال الصحافي أسامة عبد الكريم الخلف لـ" العربي الجديد" إن الأهالي، الذين يقدّر عددهم بأكثر من 3100 عائلة، خرجوا في عدة وقفات احتجاجية خلال شهر مايو الحالي، كان آخرها تظاهرة حاشدة قرب دوار حزيمة، موضحاً أن الاحتجاجات تصاعدت بعد تصريحات لمحافظ الرقة حول تنظيم المناطق العشوائية، وكذلك عقب لقاء وفد من سكان المنطقة مع المحافظ وإطلاعهم على المخطط التنظيمي الجديد.
ويرى الخلف أن اللافت في المشهد ليس الاحتجاجات بحد ذاتها، بل التحول الذي شهدته المدينة، إذ أصبحت الوقفات والتظاهرات مساحة علنية للتعبير بعد سنوات طويلة افتقرت فيها الرقة لهذا النوع من الحراك الشعبي، مضيفاً أن" المدينة عاشت لعقود حالة من القمع وانعدام الثقة، سواء خلال حقبة النظام السابق أو المراحل اللاحقة، وهو ما يجعل أي قضية تمس حياة الناس اليومية ذات حساسية كبيرة".
من جانبه، يرى المهندس عبد العظيم العجيلي أن المشكلة الحالية لا يمكن قراءتها بمعزل عن تاريخ طويل من التوسع العمراني المعقد في الرقة، مشيراً في منشور مطول على صفحته الشخصية في" فيسبوك" إلى أن جذور القضية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، مع تغييرات طرأت على المخططات التنظيمية وتوسعات المدينة، وما تبعها من استملاكات وتعديات وعمليات بيع مختلفة أدت لاحقاً إلى تشكل واقع عمراني معقد.
ويوضح العجيلي أن الملف يحتاج إلى معالجة قانونية وفنية واسعة، عبر لجنة تضم مختصين في السجل العقاري والهندسة والقانون وأملاك الدولة، بهدف فرز الحالات المختلفة والتفريق بين الملكيات القانونية والتعديات اللاحقة.
كما اقترح إزالة الأبنية المشيدة بعد عام 2012 مع اعتماد آليات تعويض محددة، ومراعاة أوضاع السكان القدامى وحقوقهم.
في المقابل، تؤكد محافظة الرقة أن ما يجري تداوله بشأن إزالة البيوت أو ترحيل السكان لا يعكس حقيقة المشروع.
وقال محافظ الرقة عبد الرحمن سلامة، في تصريح لوكالة" سانا" الرسمية، إن المشروع يهدف إلى معالجة واقع العشوائيات وتحسين مستوى الخدمات في منطقة تفتقر، بحسب وصفه، إلى أبسط مقومات البنية التحتية، مثل شبكات الصرف الصحي والطرقات والمراكز الخدمية، مضيفاً أن الخطة تقوم على نقل السكان إلى مساكن منظمة داخل المنطقة نفسها، مع الحفاظ على حقوقهم ومن دون تحميلهم أي أعباء مالية، موضحاً أن المشروع سيجري على مرحلتين، الأولى تتعلق بالتنظيم وتأمين الخدمات الأساسية، والثانية بالبناء، مشيراً إلى أن التنفيذ قد يمتد بين ثلاث وخمس سنوات.
وفي بيان صادر عن المكتب الإعلامي لمحافظة الرقة، شددت المحافظة على أن" حقوق الأهالي محفوظة بالكامل"، مؤكدة أن التعويض سيكون عبر شقق سكنية حديثة، وأنه لن يتم إخراج أي عائلة من منزلها قبل تأمين البديل المناسب لها.
وأكد المحافظ أيضاً أن" أي خطوات نهائية ستسبقها جلسات استماع واستفتاءات مع السكان، وأن الخطة قابلة للتعديل في حال وجود اعتراضات واسعة".
وتبدو قضية شمال السكة اليوم أبعد من كونها خلافاً حول مشروع عمراني، إذ تختلط فيها ملفات التنظيم والملكية والخدمات بتاريخ طويل من التهميش، إلى جانب ذاكرة ثقيلة من فقدان الثقة بين السكان والسلطات.
وفيما ترى المحافظة أن المشروع فرصة لمعالجة مشكلات مزمنة وتحسين واقع المدينة، ينظر كثير من السكان إليه بوصفه اختباراً جديداً لقدرتهم على الحفاظ على ما بنوه طوال سنوات طويلة من النزوح والفقر والاضطراب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك