غزة – «القدس العربي»: أمضت وفاء سعدي ليلة كاملة برفقة عائلتها وعوائل الجيران، في أحد الشوارع البعيد نسبيا عن منطقة سكنهم، يرقبون صوت انفجار ضخم ووقوع قصف إسرائيلي لأحد منازل الحي الذي يقطنونه، بعد إنذار من الجيش الإسرائيلي، يطلب منهم ترك المنطقة بشكل فوري، في حادثة تكررت كثيرا خلال الأيام الماضية.
لم تحمل أسرة هذه السيدة الأربعينية ولا الجيران شيئا في رحلة الفرار، فقد خرج الجميع بسرعة من تلك المنطقة الواقعة شرق مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، عندما صدح شاب بصوت مرتفع في الحي «اخلوا الحارة في قصف».
في تلك اللحظة تبدل الحال رأسا على عقب، فالحارة الهادئة التي كانت تستعد للخلود للنوم علا فيها الصراخ والصوت المرتفع، فعلى عجل حمل الشبان رجالا ونساء طاعنين في السن، فيما اهتمت النساء بتفقد الأطفال وحملهم أو السير فيهم ليلا في الشوارع المظلمة، حتى تفرقوا جماعات جلست أغلبها على قارعة شوارع قريبة ينتظرون الاستهداف لأحد منازل الجيران، ومن ثم العودة لتفقد المكان.
وتقول وفاء لـ «القدس العربي»: «فجأة حسيت الحرب رجعت تاني، نفس مشاهد الحرب، انذار وقصف ونزوح وخراب منازل»، فقد أمضت هذه السيدة زهاء الساعتين في الشارع تنتظر وقوع الاستهداف، حتى أن قواها كغيرها من النساء انهارت من شدة التعب والخوف، ومن حولها اثنان من أطفالها، وفي لحظات الانتظار كان الترقب ينهش من روحها، خاصة وأن نجلها الأكبر فضل البقاء على مقربة من منزل العائلة، وتضيف «وين التهدئة ووين وقف الحرب، ما في اشي تغير»، وقد كانت تشير إلى الواقع الذي يعيشه سكان قطاع غزة في هذه الأوقات.
وبعد ترقب طويل سمع صوت صفير أحد الصواريخ الحربية الثقيلة لثواني قليلة، قبل أن يدوي انفجار ضخم هز المخيم، وتطاير على أثره حطام المنزل المستهدف.
بعد أكثر من نصف ساعة من الانتظار بعد الاستهداف، خشية من أن يتبع بصاروخ آخر، على عادة الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، عادت عوائل الحي إلى منطقة السكن، لتفجع بالمشهد، فمنزل الجيران المكون من أربع طبقات إسمنتية أصبح أثرا بعد عين، فيما طال دمار بليغ المنازل المجاورة، وتقول السيدة وفاء «شبابيك البيت تكسرت، وسطح الطابق العلوي تضرر، وحاجات كثيرة في البيت تدمرت من شدة القصف»، وفي الشارع تناثرت قطع من رجاج ما تبقى من نوافذ الحي.
وقد عادت قوات الاحتلال مؤخرا لسياسة قصف المنازل، بعد إنذار المنطقة المحيطة بالنزوح القسري، ضمن سياسة تهدف من ورائها إلى الضغط على فصائل المقاومة وتحديدا على حركة المقاومة الإسلامية «حماس» للقبول بما تطلبه بخصوص اتفاق التهدئة، وخاصة القبول ببند «نزع السلاح»، بعد أن رفضت الحركة هذه المطالب، حيث تشهد في هذه الأوقات اتصالات التهدئة تعثرا كبيرا.
وفي نفس التوقيت الذي جرى استهداف المنزل الواقع شرق مخيم النصيرات، كان حشد كبير من أحد أحياء مخيم البريج المجاور يجبرون على النزوح، بعد تهديد مشابه باستهداف أحد المناطق، وقبلها أجبر سكان في مدينة غزة على النزوح، وآخرون من مدينة خان يونس جنوب القطاع، في وقت كانت فيه قوات الاحتلال تواصل استهداف النقاط والمراكز الشرطية أيضا، وتنفذ أيضا اغتيالات، إلى جانب استهداف منازل مأهولة بالسكان.
ومن المنطقة المستهدفة في النصيرات قال أحد الشبان «الوضع رجع زي وقت الحرب، بل أشد»، مستذكرا أربعة مشاهد مشابهه خلال فترة الحرب السابقة، حين استهدفت إسرائيل منازل للجيران وأخرى تقع على مقربة من الحي.
ويشتكي السكان النازحون من هذه الاستهدافات التي تقع على مقربة من مناطق نزوحهم، ويخشون من تطاير شظايا وحطام القصف إلى مناطق نزوحهم، ما يهدد حياتهم بخطر الموت والإصابة، حيث لا تقي الخيام البلاستيكية عنهم شيئا، وهو أمر سجل مئات المرات خلال فترة الحرب، ويقول سائد النجار الذي ينزح في أحد الخـــيام غرب مدينة خان يونس «أول التهدئة كان القصف الإسرائيلي مركز على المناطق الشرقية، وكنا نسمع صوت قصف ونسف منازل، اليوم صار القصف قريب كثير من مناطق النزوح، وأوقات ييحدث استهدافات لمخيمات نزوح قريبة»، وأضاف لـ« القدس العربي»: «الوضع كل يوم عن يوم بيزيد صعوبة، والكل يخشى عودة الـــحرب».
وتحدث هذا النازح الذي أجبر على ترك منزله الواقع في أحد البلدات الشرقية لمدينة خان يونس، والتي تضمها قوات الاحتلال الإسرائيلي للمنــــاطق الواقعة خلف «الخط الأصفر»، عن حالة الترقب والخوف التي يعيشها السكان، وعن صعوبة الوضع الإنساني والمعيشي، حيث تواصل إسرائيل تشديد إجراءات الحصار، ما يحرمهم من الحصول على كفايتهم من المساعدات الغذائية واحتياجات الأسرة.
وبالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، إلا أن قوات الاحتلال تواصل الهجمات الحربية، ما أدى إلى ارتقاء نحو 900 شهيد، وإصابة أكثر من 2500 آخرين، وقد صعدت خلال الأيام الماضية من شدة هذه الهجمات، كما تواصل تشديد إجراءات الحصار، ولا تسمح إلا بدخول أقل من ثلث كمية المساعدات التي نص عليها الاتفاق، والمقدرة بـ 600 شاحنة يوميا.
وتؤكد الأمم المتحدة، استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وتقول إنها تؤثر على المدنيين، وذكر مكتب تنسيق الشئون الإنسانية «أوتشا»، أن الشركان رصدوا نزوح أكثر من 150 عائلة من شرق خان يونس ومن شرق مدينة غزة، بسبب تحركات الدبابات أو القصف.
، وحددت أربعين عائلة من النازحين الجدد كحالات تستدعي مساعدة طارئة، بعد أن فروا بما خفّ حمله فقط، مشيرا إلى أن معظم سكان غزة البالغ عددهم 2.
1 مليون نسمة لا يزالون في حالة نزوح، وغالبا ما يعيشون في ظروف مزرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك