جاء في كتاب الحمقى والمغفلين لابن الجوزي عَنِ الأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قال: “لقد بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رُوحَ اللَّهِ إِنَّكَ تُحْيِي المَوْتَى؟ قَالَ: نَعَمْ بِإِذْنِ اللَّهِ.
قِيلَ: وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ؟ قَالَ: نَعَمْ بِإِذْنِ اللَّهِ.
قِيلَ: فَمَا دَوَاءُ الحَمَقِ؟ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَعْيَانِي”.
وقال الأحنف بن قيس في مقدمة كتابه: “إني لأجالس الأحمق ساعة فأتبين ذلك في عقلي”.
ومن أشهر أبيات المتنبي في الحمق قوله: “لكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ.
إِلَّا الحَمَاقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيهَا”.
دفعني إلى هذه المقدمة فائض الحمق الذي يشيع ويتسع ويجري بين أوصال مجتمعاتنا، جريان الدماء في العروق.
صحيح أن انتشار الحمق قديم قدم الإنسان نفسه، ولكن المجتمعات لم تكن تعبأ بالحمق والحمقى إلا من باب التظرف والفكاهة، لذلك تهمشهم في دورة العقل والجد، لكنها في الوقت ذاته تتعاطف معهم لطفا بهم، فلا تقدمهم أو تبرزهم كما هو الحال في أيامنا هذه، خصوصًا في ضوء ما أتاحته وسائل الإعلام الجديدة من فرص لظهور الغث والسمين، حتى أصبح العاقل والأحمق سواء.
إن “فائض الحمق” في المجتمعات علامة على ضعف تأثير العقل أمام جنون العالم الجديد المكتسح من وسائل التواصل الاجتماعي المصابة بدوران المعلومات الفارغة من المضمون، تعبيرًا عن أزمة فكرية واجتماعية عميقة تشخص واقع الحال الذي تحولت فيه السطحية والجهل من حالات معزولة إلى نسق جماعي وثقافة سائدة تحظى بالاهتمام والانتشار والترويج.
فإذا كان من معاني الحمق الجهل ونقص المعرفة بالشيء، فكيف يندفع الأحمق إلى الحديث باستفاضة في أمر لا يعرفه ولا يفقهه، فيتحدث (عن الاستراتيجيات – والجيوبوليتكيكيات -.
) وهو لا يفرق بين القمح والشعير، فيصبح كلامه في لقاء متلفز مثل كلام أبطال مسرحية مدرسة المشاغبين.
وإذا كان الحمق هو سوء التصرف والتدبير، فإن العيب في من دعاه وأبرزه، ليتصدى للحديث في أمور لا يفهم كوعها من بوعها، فيصبح مجموع كلامه إذا جمعته ادعاء وفسادا للمنطق.
وإذا كان الحمق نوعا من السفه فمن المعيب أن يتاح للسفيه التصدي لإفساد العامة والعقل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك