مكة المكرمة واحدة من أكثر المدن زيارة على مستوى العالم، نظرًا لاحتضانها الكعبة المشرفة، إذ يقصدها في موسم الحج وحده أكثر من 15 مليون مسلم يتدفقون إليها من شتى بقاع الأرض، ولا يمثل تاريخ الكعبة المشرفة مجرد قصة مثيرة للاهتمام تنتمي إلى ماضينا فحسب، بل هو الرمز الحقيقي والحي الحاضر الذي يربط المسلمين جميعاً ويجمع قلوبهم أينما كانوا حول العالم؛ ورغم هذه المكانة العظيمة، فإن هناك حقائق تاريخية هامة عن الكعبة المشرفة قد لا يعرفها الكثيرون كونها لا تُذكر مرارًا وتكرارًا في وسائل الإعلام.
حقائق لا يعرفها كثيرون عن الكعبةومن أبرز هذه الحقائق أن الكعبة المشرفة أُعيد بناؤها عدة مرات عبر التاريخ، فالكعبة التي نراها اليوم ليست هي تمامًا نفس البناء الذي رفعه الأنبياء إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، إذ دعت الحاجة الضرورية لإعادة البناء والترميم بعد كوارث طبيعية متعددة شهدتها مكة، وكان آخر تجديد شامل ودقيق للغاية قد جرى عام 1996، حيث تم فيه استبدال العديد من الحجارة التالفة، وإعادة تعزيز الأسس، ووضع سقف جديد؛ ومن المفترض أن يصمد هذا التجديد الأخير لعدة قرون بفضل التقنيات الحديثة التي جعلت المبنى أكثر أمنًا واستقرارًا من أي وقت مضى، وفقًا لما ذكرته الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.
كما يشير التاريخ إلى أن الكعبة الأصلية كان لها بابان ونافذة، حيث استمر لوقت طويل وجود باب مخصص للدخول وباب آخر للخروج، بالإضافة إلى نافذة تقع على أحد جوانبها، بينما لا تمتلك الكعبة المشرفة في شكلها الحالي سوى باب واحد فقط دون أي نوافذ.
وتكشف الحقائق أيضًا أن الكعبة تم تغطيتها بألوان متعددة على مر العصور؛ ورغم أننا اعتدنا رؤيتها بالكسوة السوداء حتى بات من الصعب تخيلها بلون آخر، إلا أن هذا التقليد بدأ تحديداً في العصر العباسي، وقبل ذلك الوقت كُسيت الكعبة بألوان متنوعة ومختلفة شملت الأخضر، والأبيض.
وفيما يتعلق بإدارة الكعبة، فإن المفاتيح تظل في يد عائلة واحدة ممتدة عبر القرون؛ فبعد أن دخل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا، سلم مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة وعائلته، وإلى يومنا هذا يظل بنو شيبة وحدهم المسؤولين عن باب الكعبة امتثالاً للأمر النبوي الشريف حين قال الرسول لعثمان: " خذها، لن تؤخذ منك يا بن طلحة إلى الأبد حتى يوم القيامة".
ويضاف إلى ذلك أن الكعبة اعتادت أن تكون مفتوحة للجميع، فإلى وقت قريب كان الباب يُفتح مرتين في الأسبوع ليتسنى لأي شخص الدخول والصلاة في جوفها، ولكن مع الارتفاع الهائل في أعداد الحجاج وعوامل تنظيمية أخرى، باتت تُفتح الآن مرتين فقط في السنة، وتقتصر على كبار الشخصيات والضيوف الرسميين.
ومن المفارقات التاريخية، أنه في بعض الأوقات كان على الحجاج أن يسبحوا من أجل الطواف حول الكعبة، ويعود السبب في ذلك إلى وقوع الكعبة في الجزء السفلي من الوادي، مما جعلها عرضة للفيضانات والسيول كلما هطلت الأمطار بغزارة، وهو ما أدى في أوقات سابقة إلى غرق الكعبة في المياه لعدة أيام؛ ورغم ذلك لم يتوقف المسلمون عن أداء مناسكهم بل لجأ بعضهم إلى السباحة حولها لتمام الطواف، إلا أن التعديلات الهندسية الحديثة وتقنيات تصريف السيول.
أما عن التصميم الداخلي، فإن الكعبة تحتوي في جوفها على بعض اللوحات التذكارية، وبعد سنوات طويلة من تساؤل الملايين عما يوجد بالداخل، نجح أحد المحظوظين بدخولها في بث لقطات مصورة عبر هاتف محمول على الإنترنت، كشفت عن جدران داخلية من الرخام مغطاة بقطع قماش خضراء، ومثبت عليها لوحات تذكارية تؤرخ لكل عملية تجديد أو إعادة بناء قام بها أحد الحكام.
وتتكامل الحقائق الإيمانية بوجود نسختين من الكعبة، حيث توجد مباشرة فوق الكعبة الأرضية نسخة طبق الأصل منها في السماء السابعة تُعرف بالبيت المعمور، وقد ورد ذكر ذلك في القرآن الكريم، وتحدث عنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في روايته لرحلة الإسراء والمعراج بقوله: " سألت جبريل عن ذلك، وقال: هنا يؤدي 70 ألفاً من الملائكة صلوات يوميا".
ويكشف التاريخ عن تعرض الحجر الأسود للكسر، وهو السبب وراء وضعه داخل الغلاف الفضي الحالي لحمايته؛ فقد تعرض الحجر لأضرار بالغة في العصور الوسطى على يد" القرامطة" الذين اعتبروا الحج عملاً من أعمال الخرافات، وقاموا بقتل عشرات الآلاف من الحجاج وإلقاء جثثهم في بئر زمزم، ثم نهبوا الحجر الأسود ونقلوه إلى شرق شبه الجزيرة العربية ثم إلى الكوفة في العراق، واحتجزوه كفدية حتى أُجبروا على إعادته في عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وعندما عاد كان قد تكسر إلى أجزاء، فكانت الطريقة الوحيدة للحفاظ عليه هي تجميعه وإحاطته بذلك الغلاف الفضي، فيما يذكر بعض المؤرخين أن هناك بعض القطع الصغيرة منه لا تزال مفقودة حتى اليوم.
مشعر منى: حملت أسباب تسمية مشعر منى روايات عدة، منها تمني آدم فيها الجنة واجتماع الناس بها، ويرتبط مشعر منى بأحداث تاريخية، منها أن النبي إبراهيم عليه السلام رمى الجمرات الثلاث، وذبح فيه فديةً لابنه إسماعيل عليهما السلام، وفعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم ذلك في حجة الوداع، وبه نزلت سورة النصر أثناء حجة الوداع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه تمت بيعتا الأنصار اللتان اشتهرتا ببيعتي العقبة الأولى والثانية، بحسب ما ذكر موقع" وزارة الحج والعمرة السعودية".
مشعر عرفات: يُطلق على مشعر عرفات كذلك" عرفة"، ويُعد عرفات المشعر الوحيد الواقع خارج حدود الحرم، وهو عبارة عن سهل منبسط محاط بقوس من الجبال يضم جبل الرحمة.
يقع على الطريق المؤدي إلى الطائف، ولا ينشط إلا في أيام الحج، ولا يتضمن أي عمران أو سكان باستثناء عدة منشآت حكومية.
مشعر مزدلفة: وأورد في سبب تسمية مزدلفة أن الناس يزدلفون إليها، ولا يقيمون بأرضها يومًا كاملًا، وبحسب قول الحافظ ابن حجر أن آدم، عليه السلام، اجتمع بحواء هناك، وازدلف إليها، أي: قرب منها، أما قتادة فيذكر أنها سُميت بذلك؛ لأن فيها يُجمع بين صلاتين، وقيل: جاءت تسميتها للنزول بها في كل زلفة من الليل، وقيل: لاقترابها من مشعر منى، وهناك قول يرى أنها وصف للذين يجتمعون فيها للعبادة، فهي أحد الأماكن التي ينزل بها المسلمون ويجتمعون عند أداء فريضة الحج، إذ يلتزم الحجاج بتعاليم التوجّه للمبيت في مزدلفة ليلة العاشر من شهر ذي الحجة" ليلة عيد الأضحى".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك