(دكتوراه في تطوير المناهج – جامعة عين شمس)لم تعد قضية التعليم اليوم مجرد مناهج وامتحانات، بل أصبحت قضية ترتبط بمستقبل أجيال كاملة.
ومع تصاعد الحديث عن التحول من نظام الثانوية العامة إلى نظام البكالوريا، وجد الطلاب وأسرهم أنفسهم أمام حالة غير مسبوقة من التساؤلات والقلق والترقب؛ ليس رفضًا للتطوير، وإنما خوفًا من أن يتحول الطريق إلى المستقبل إلى مساحة من عدم اليقين.
لسنوات طويلة، كانت الثانوية العامة أكثر من مجرد مرحلة دراسية؛ كانت بوابة العبور التي تحدد شكل الحياة القادمة.
عام كامل من الاستعداد، وضغط نفسي يمتد داخل البيوت، ونتيجة نهائية تُبنى عليها أحلام الجامعة والعمل والمكانة الاجتماعية.
ورغم الانتقادات المتكررة لهذا النظام، فإنه ظل يحتفظ بأهم ما يميزه: الوضوح والاستقرار.
لكن تغير الزمن، وتغيرت معه نظرة العالم إلى التعليم.
لم يعد النجاح يقاس فقط بكمية المعلومات التي يحفظها الطالب، بل بقدرته على التفكير والتحليل والإبداع واتخاذ القرار.
ومن هنا ظهر الحديث عن البكالوريا باعتبارها محاولة لإعادة تعريف رحلة التعليم نفسها؛ بحيث لا يكون الامتحان النهائي هو الحكم الوحيد على قدرات الطالب، ولا تصبح سنوات الدراسة كلها رهينة ساعات محدودة داخل لجنة امتحان.
أنصار البكالوريا يرون أنها خطوة نحو تعليم أكثر إنصافًا، يوزع فرص التقييم، ويمنح الطالب مساحة أكبر لإظهار إمكاناته، ويخفف من حالة القلق التي تحولت لدى كثير من الأسر إلى موسم سنوي من التوتر والضغوط.
أما المتحفظون، فلا يعارضون التطوير بقدر ما يطالبون بضمانات واضحة؛ لأن أي تغيير في التعليم لا يقتصر على تعديل الأوراق أو تغيير المسميات، بل يحتاج إلى مدارس جاهزة، ومعلمين مؤهلين، ومناهج متوازنة، وآليات قبول جامعي مستقرة.
وبين هذا الرأي وذاك، يقف الطالب في المنتصف.
لا يريد أن يبقى أسير نظام يستهلك أعصابه، ولا أن يصبح جزءًا من تجربة لا تزال تبحث عن ملامحها النهائية.
يريد فقط أن يشعر أن مستقبله سيُبنى على جهده الحقيقي، لا على صدفة يوم أو رهبة امتحان.
وربما هنا تكمن القضية الحقيقية.
فالمعركة ليست بين «الثانوية العامة» و«البكالوريا»، وليست منافسة بين نظام قديم وآخر جديد، وإنما سؤال أكبر من ذلك كله: أي تعليم نريد؟تعليم يصنع طالبًا يحفظ الإجابات؟أم تعليم يصنع إنسانًا يعرف كيف يبحث عنها؟وفي النهاية، قد لا يكون التحدي في تغيير اسم النظام… بل في بناء نظام يجعل الطالب يثق أن مستقبله يُصنع داخل الفصل الدراسي، لا داخل ورقة الامتحان فقط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك