بالتعاون مع نادي البحرين للحدائق، احتضنت هند جاليري معرض “من الجذور إلى السماء” في تجربة تشكيلية جماعية حملت رؤية بصرية تنطلق من الأرض والذاكرة والطبيعة، وتمتد نحو فضاءات أرحب من التأمل والإنسان والحلم.
وجمع المعرض نخبة من الفنانات في مساحة واحدة، مقدّمًا حوارًا بصريًا متنوعًا يستكشف العلاقة بين الجذور والهوية والإنسان والبيئة، بمشاركة الفنانات فريدة خلف، ونوال كمال، ونرمين الباكر، وشهيرة زينل، وروبال كالبيش، وإيرينا كوتوفا، وآناستشا سفير.
وضم المعرض عشرات الأعمال الفنية التي تنوعت بين الرسم، والوسائط المتعددة، والكولاج، والطباعة، وتقنيات المواد المركبة، مقدّمًا تجربة فنية ثرية عكست تنوع المدارس والأساليب والرؤى البصرية المشاركة.
وقدّمت الفنانة عاطفة زينل أعمالها المستلهمة من البحر والنخيل والنوارس، مؤكدة أن أعمالها تنطلق من العلاقة الإنسانية العميقة مع المكان والذاكرة، وقالت: “بين البحر والنخيل وطيور النورس، تنبض العلاقة الخالدة بين الإنسان وجذوره وسمائه”.
وضمت مشاركتها أعمالًا مثل Seagulls وPalm Trees وRose، مستخدمة المعاجين التشكيلية والأقمشة والألوان الأكريليكية في أعمال تحمل إحساسًا بالحركة والهدوء وذاكرة المكان.
أما الفنانة آناستشا سفير فشاركت بسلسلة “تشريح التكيّف” المستلهمة من تجربتها الممتدة في البحرين لأكثر من عقدين، موضحة أن الأعمال تتناول حالة الإنسان العالق بين الانتماء وعدم الانتماء، وبين الحضور والغياب، مؤكدة أن الهوية ليست حالة ثابتة، بل تجربة متغيرة ومستمرة.
ومن جانبها، أكدت الفنانة فريدة خلف أن معرض “من الجذور إلى السماء” قدّم تجربة فنية تحمل أبعادًا تتجاوز العرض البصري التقليدي، إذ استطاع أن يخلق حالة من الحوار بين الإنسان والطبيعة والهوية من خلال أعمال متعددة الرؤى والأساليب.
وقالت: “ما يميز هذا المعرض أنه لم يتعامل مع النخلة أو النباتات بوصفها عناصر جمالية فحسب، بل باعتبارها رموزًا تحمل ذاكرة وانتماءً وقصصًا إنسانية.
التنوع بين الفنانين والمدارس المختلفة منح المعرض ثراءً بصريًا حقيقيًا، وخلق حالة من التفاعل بين الأعمال رغم اختلاف لغاتها الفنية”.
وقدّمت الفنانة شهيرة زينل مجموعة “لحن الروح” التي تناولت الإيقاع الهادئ للمشاعر الإنسانية، حيث حضرت الشخصيات بلا ملامح رمزًا لروح الإنسان، فيما مثّلت الطيور معاني السلام الداخلي والحرية والانسجام.
وقالت: “تعكس هذه المجموعة إيقاع المشاعر الإنسانية الهادئ، حيث تنساب الألوان والأشكال كما لو كانت لحنًا بصريًا، ويصبح كل عمل مساحة للتواصل والسكينة”.
فيما استحضرت الفنانة نوال كمال علاقتها الشخصية والوجدانية بالنخيل، مؤكدة أن هذه الأشجار شكّلت جزءًا من ذاكرتها اليومية ومصدرًا دائمًا لإلهامها الفني.
وقالت: “أشجار النخيل في حديقتي تضيف للمكان سحرًا خاصًا، وكنت دائمًا أشعر أنها تحمل حضورًا يتجاوز شكلها الطبيعي.
حين أرسمها أشعر أنني أستعيد جزءًا من علاقتي بالمكان والهدوء والذاكرة”.
وقدّمت الفنانة روبال كالبيش سلسلة “روايات” التي تناولت مفهوم امتداد الأجيال عبر الجذور المشتركة، مستندة إلى أنماط هندسية تعكس الاستمرارية والتوازن والزمن.
أما الفنانة نرمين الباكر فقد استخدمت النخلة بوصفها رمزًا للقوة والانتماء، موضحة أن الجذوع تمثل الإنسان المتجذر في أرضه وثقافته، فيما تحكي الأغصان عن الحلم والمستقبل.
وقالت إن أعمالها تنطلق من مراقبة التفاصيل الصغيرة التي كثيرًا ما تمر دون انتباه، موضحة: “أحاول في أعمالي استكشاف العلاقة الإيقاعية بين الأرض والغلاف الجوي، واللحظات العابرة التي يصنعها الضوء عندما يمر فوق سعف النخيل ويتحرك بين ظلاله وتكويناته المختلفة”.
وأضافت أن النخلة بالنسبة لها ليست مجرد عنصر طبيعي أو تكوين بصري داخل اللوحة، بل كيان يحمل طاقة وحركة مستمرة، قائلة: “كنت مهتمة بما أسميه همسات النخيل؛ ذلك الصوت الخافت الناتج عن حركة الأوراق، والذبذبات البصرية التي يصنعها الضوء عندما ينعكس بزاوية معينة فوق السعف.
هذه التفاصيل البسيطة تحمل بالنسبة لي طاقة خفية أردت تحويلها إلى تجربة بصرية”.
وأوضحت أن أعمالها تحاول إعادة تخيّل الأشجار بوصفها جسورًا تربط بين الأرض والسماء، وبين المادة والروح، حيث تتحول الطبيعة إلى مساحة للتأمل واكتشاف الإيقاعات الداخلية للعالم المحيط.
كما شاركت الفنانة إيرينا كوتوفا بأعمال تناولت الإيقاع البصري بين الضوء والنخيل والسماء، مؤكدة أن أعمالها تستكشف حركة الضوء وتحول الأشجار إلى جسور طاقة تربط الأرض بالسماء.
وأضافت أن النخيل بالنسبة لها يحمل معاني القوة والثبات والسكينة، وأن حضوره داخل الأعمال لم يكن قرارًا فنيًا عابرًا، بل امتدادًا لعلاقة طويلة مع الطبيعة.
وأوضحت: “أحاول من خلال الرسم أن ألتقط شيئًا من جمال الطبيعة وأمنحه حياة أخرى على سطح اللوحة.
النخلة بالنسبة لي ليست شجرة فقط، بل حالة شعورية تحمل الكثير من المعاني الإنسانية، وتمنحني إحساسًا بالهدوء والاستقرار”.
وفي إطار الشراكة المجتمعية التي حملها المعرض، أكدت المهندسة أمل الزياني، عضو مجلس إدارة نادي البحرين للحدائق ومنسقة البرامج، أن مشاركة النادي جاءت انطلاقًا من رسالته في تعزيز ثقافة البستنة ونشر الوعي المجتمعي بأهميتها.
وقالت إن النادي يعمل بصورة مستمرة على تنظيم المحاضرات والبرامج والأنشطة التي تقدم مفاهيم البستنة والزراعة الصحيحة للمجتمع، موضحة أن الربط بين الفن والطبيعة لم يكن فكرة عابرة، بل رؤية تحمل أهدافًا مشتركة.
وأضافت: “وجدنا أن أهداف المعرض تتقاطع بصورة كبيرة مع أهداف نادي البحرين للحدائق؛ فنحن نعمل على توعية الناس بأهمية البستنة وكيفيتها، بينما يقدم المعرض النباتات البحرينية داخل إطار فني وجمالي يعزز الرسالة نفسها بطريقة مختلفة وأكثر تأثيرًا”.
وأشارت إلى أن الفن يمتلك قدرة استثنائية على خلق علاقة وجدانية بين الإنسان والطبيعة، مؤكدة أن عرض النباتات البحرينية داخل سياق بصري يفتح المجال أمام المتلقي لرؤية البيئة المحلية بطريقة أكثر قربًا وتأثيرًا، كما يرسخ الوعي البيئي والثقافي بأساليب مبتكرة.
ومن جانبه، رأى الفنان علي المحميد أن المعارض الجماعية اليوم تجاوزت كونها مجرد فضاءات عرض، لتتحول إلى منصات حقيقية للحوار الفني والثقافي، مشيرًا إلى أن التنوع الموجود داخل المعرض يعكس الحيوية التي يعيشها المشهد التشكيلي البحريني.
أما الفنان عادل العباسي فأكد أن المعرض نجح على المستويين التنظيمي والفني، موضحًا أن حسن توزيع الأعمال وإدارة المساحات واختيار القطع الفنية منح التجربة حالة من الانسجام والوضوح البصري المرتبط بهدف المعرض.
وأضاف: “من الناحية الفنية يضم المعرض مختلف المدارس، من الواقعية والتجريدية والتعبيرية والانطباعية، وهو ما يمنح المتلقي فرصة واسعة للاطلاع على تجارب متنوعة”.
وتابع: “أصبحنا نشهد كثافة أكبر في إقامة المعارض الفنية وتنوعًا أوسع في التجارب، وهذا دليل واضح على اتساع الحراك الفني وتطور المجتمع التشكيلي في البحرين”.
ويؤكد معرض “من الجذور إلى السماء” أن الفن لم يعد مساحة للعرض فقط، بل أصبح لغة تتقاطع فيها الثقافة والطبيعة والوعي المجتمعي، لتتحول الأعمال الفنية إلى سرديات بصرية تنطلق من الجذور وتمضي نحو السماء، حاملة معها ذاكرة المكان وأحلام الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك