في تطور سياسي جديد، تبدو الحكومة اللبنانية وكأنها تسير على صفيح ساخن، بعدما وجدت نفسها محاصرة بين دعوة حزب الله لإسقاطها بذريعة «العجز عن حماية السيادة»، وبين ضغوط خارجية متزايدة تدفع نحو إعادة رسم موازين القوة في الداخل.
ووسط هذه الظروف تبدو الدولة اللبنانية أكثر هشاشة من أي وقت مضى، فالحكومة التي جاءت بوعود إعادة الاستقرار، تجد نفسها الآن تحت نيران متقاطعة يتزايد معها القلق من الانزلاق إلى مرحلة أكثر اضطرابًا، وهو ما يطرح سؤالًا مصيريًّا: هل تصمد الحكومة أمام العاصفة، أم ستقف على أعتاب انفجار سياسي جديد؟مطالب بإقالة الحكومة اللبنانيةففي محاولة لتصوير الحكومة اللبنانية كأداة لتمرير مشروع «أميركي-إسرائيلي»، دعا حزب الله على لسان أمينه العام نعيم قاسم، إلى إسقاط هذه الحكومة التي رأى أنها «عاجزة عن حماية سيادة لبنان».
ورفض حزب الله في دعوته «المفاوضات المباشرة مع إسرائيل»، داعيًا إلى العودة إلى التفاوض غير المباشر.
وهاجم قاسم حكومة لبنان موجهًا سؤال لها: «قولوا لي ماذا فعلتم خلال سنة ونصف؟ »، معقبًا «إذا كنتم عاجزين فارحلوا».
وقال قاسم إن هدفنا «وقف العدوان وانسحاب إسرائيل بالكامل وتحرير الأسرى وعودة الأهالي، وبعدها نناقش الاستراتيجية الدفاعية»، مضيفًا «السلاح سيبقى في أيدينا إلى أن تتمكن الدولة اللبنانية من القيام بواجبها بما يحمي ويحفظ لبنان وشعبه وثرواته».
وفي أول رد على هذا التحدي الذي يواجه حكومة لبنان، قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الإثنين، إن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، يظل مطلبًا وطنيًّا ثابتًا لا تنازل عنه، وإن الدولة اللبنانية تعمل على تحقيقه من خلال التفاوض الذي لن يكون «تنازلا ولا استسلاما»، بحسب بيان للرئاسة اللبنانية.
وأضاف عون في ذكرى التحرير، أنه «في مثل هذا اليوم من عام 2000 كتب جنوب لبنان ملحمةً غير مسبوقة حين انسحب الاحتلال الإسرائيلي نتيجة صمود أبناء هذه الأرض وتضحياتهم، فكان يوم 25 مايو/ أيار يوما للكرامة الوطنية الجامعة».
ومضى بالقول: «تأتي هذه الذكرى اليوم ولبنان يرزح تحت وطأة واقعٍ مؤلم، فالاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، وقرى جنوبية عزيزة لا تزال تئن تحت وطأة احتلال مُتجدد، في انتهاك فاضح لكل القرارات الدولية، وفي مقدَّمها القرار 1701».
وشدد الرئيس اللبناني على أن «الجيش سيبقى الضامن الوحيد للأمن الوطني والسلامة الإقليمية»، لافتًا إلى أن الذين حرَّروا الجنوب بدمائهم، عسكريين ومقاومين، كما جميع اللبنانيين، يستحقون دولة قوية متماسكة بشرعية مؤسساتها المدنية والعسكرية، وعادلةً بقوانين لا تمييز فيها، وموحَّدة بإرادة شعبها وتضامنهم».
من جهته، قال رئيس الحكومة نواف سلام، عبر موقع إكس، إن مناسبة عيد المقاومة والتحرير هذا العام يجب أن تتحول إلى يوم تضامن مع عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين وأهالي الجنوب الصامدين.
وشدد نواف على أن العيد الحقيقي لا يُستعاد إلا يوم انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية وعودة الأهالي إلى قراهم بأمان وكرامة.
وفي رده على رسالة حزب الله، أكد نواف التمسك بمطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل ورفض أي واقع أمني جديد في الجنوب في ظل استمرار الاعتداءات والتصعيد العسكري.
وقوبلت دعوة حزب الله بإقالة الحكومة بهجوم من بعض السياسيين، وعلى رأسهم عضو مجلس النواب اللبناني فؤاد مخزومي الذي قال «مَن يريد إسقاط الحكومة هو مَن سقط من منطق الدولة والشرعية، ووضع نفسه في مواجهة معظم اللبنانيين».
وأضاف مخزومي عبر حسابه بموقع إكس، «على حزب الله أن يدرك أن زمن الترهيب والتخويف وفرض الإرادة بقوة السلاح انتهى إلى غير رجعة».
وشدد على أن «هذه الحكومة تمثل اللبنانيين الذين يريدون دولة وسيادة واستقرارًا، لا حروبًا وقرارات تُفرض بقوة السلاح ولا بطولات وهمية فيما معظم قرى الجنوب مدمّرة ومحتلة.
فماذا حقق سلاحكم للبنان غير الخراب؟ ».
وأكد أن لبنان يحتاج إلى دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار وطني واحد.
لا أحد أكبر من الدولة، ولا سلاح يعلو فوق إرادة اللبنانيين وشرعية الدولة اللبنانية.
وعلى الرغم من الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على الحكومة اللبنانية، فقد أدانت دعوة حزب الله لإقالة الحكومة، ووصفتها بـ«المتهورة».
وقالت الخارجية الأميركية، في بيان، أمس الأحد، إن حزب الله تجاهل النداءات المتكررة الصادرة عن الحكومة اللبنانية الشرعية بوقف هجماته واحترام وقف إطلاق النار؛ وبدلًا من ذلك، واصل إطلاق النار على المواقع الإسرائيلية ونقل المقاتلين والأسلحة إلى جنوب لبنان.
وأضاف البيان: «تُعد هذه حملة متعمدة لزعزعة استقرار البلاد والحفاظ على نفوذ الحزب على حساب مستقبل الشعب اللبناني».
ولفت بيان الخارجية الأميركية إلى أن الحكومة تعمل على تحقيق التعافي وإعادة الإعمار وتأمين المساعدات الدولية وبناء مستقبل مستقر لمواطنيها، وذلك بدعم كامل من الولايات المتحدة، وفي المقابل، يسعى حزب الله بنشاط إلى جر لبنان مجددًا نحو الفوضى والدمار.
وشدد البيان على أن الولايات المتحدة: «لن تسمح لحزب الله بالعنف والإطاحة بالحكومة؛ فقد بات العصر الذي كانت فيه جماعة إرهابية تحتجز أمة بأسرها رهينة لها، يشارف على الانتهاء».
ووسط هذا الدفاع عن الحكومة في لبنان، قد يلجأ حزب الله إلى اغتيال خصومه السياسيين مع تراجع سيطرته على البلاد، وذلك وفقا لخبير تابع لمركز مئير أميت للاستخبارات ومعلومات الإرهاب (ITIC) تحدث إلى صحيفة «جيروزاليم بوست».
وأشار الخبير، إلى أنه في الأشهر الأخيرة، واجه حزب الله قيودا متزايدة على نفوذه، بما في ذلك تشريعات جديدة تحدّ من قدرته على حيازة الأسلحة بشكل قانوني والقيام بأنشطة عسكرية، فضلا عن مشاركة بيروت في محادثات مع القدس في واشنطن.
وقد فُرضت هذه الإجراءات بعد أن جرّ حزب الله لبنان إلى حرب أخرى بشنّه هجمات عقب اغتيال آية الله علي خامنئي في 28 فبراير/شباط.
وفقًا لتقييم حديث أجرته منظمة ITIC، فإن حزب الله يدرك تمامًا مخاوف بيروت من حرب أهلية محتملة، وقد ألمح مرارًا وتكرارًا إلى مثل هذا السيناريو أو هدد به مباشرة.
وإذا انتقلنا إلى المشهد الخارجي، سنجد أن الحكومة اللبنانية ساقطة في شبكة معقدة من الضغوط الخارجية التي ترتبط بالوضع الأمني والسياسي.
فالدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تطالب لبنان باستمرار بفرض السيطرة الكاملة على الأرض، وحصر السلاح بيد الجيش.
ولم تقف الضغوط الخارجية عند هذا الحد، بل عمّقتها حزمة عقوبات أميركية مفاجئة طالت ضباطا في الجيش اللبناني والأمن العام، إضافة إلى السفير الإيراني في بيروت.
والمفارقة هنا، أن هذه العقوبات الأميركية جاءت في وقت كانت المؤسسة العسكرية في لبنان قد أنجزت بالفعل تحضير وفد للتوجه إلى واشنطن لإجراء مباحثات المسار الأمني المقررة في وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون»، يوم الجمعة الموافق 29 من الشهر الجاري.
كل ذلك يأتي في ظل تصاعد المخاوف من توسع المواجهة مع إسرائيل على الحدود الجنوبية، علاوة على الرسائل السياسية الإسرائيلية التي تُحمِّل حكومة لبنان مسؤولية أي هجمات تنطلق من الجنوب، وهو ما يضع بيروت أمام معادلة مُربكة بين تجنب الانزلاق إلى الحرب، والحفاظ على التوازن الداخلي المُعقَّد مع حزب الله.
وتزداد هذه الضغوط التي تواجه الدولة اللبنانية، في ظل تصاعد الأزمة الاقتصادية الطاحنة، إذ تعتمد الدولة على الدعم الخارجي والمؤسسات الدولية للخروج من هذه الأزمة، لكن الدعم غالبًا ما يكون مشروطًا بإصلاحات، ما يجعل الحكومة عالقة بين مطالب الخارج وتعقيدات الداخل، لذا فهي تبدو صامدة كـ«هيكل شرعي»، يتحرك وسط حقل ألغام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك