قناة الغد - الألمان يشككون في قدرة حكومتهم على إصلاح التأمينات الجزيرة نت - أسعار الغذاء العالمية تستقر قرب أعلى مستوى في 3 سنوات CNN بالعربية - اللون الأحمر يتوّج إطلالات الملكات والأميرات حول العالم القدس العربي - لا أمريكا ولا إيران تنتصر.. وما لم يتحول وقف إطلاق النار إلى سلام دائم سيظل خطر التصعيد قائما العربي الجديد - مصر تعتزم طرح شركات حكومية في البورصة DW عربية - انكماش الأرباح ـ ضربة قوية لعمالقة صناعة السيارات الألمانية التلفزيون العربي - ترمب منفتح على لقاء خامنئي.. ما أسباب انسداد أفق المفاوضات؟ الجزيرة نت - صدمة للأرجنتين والمغرب ثاني أفريقيا.. القيمة السوقية لمنتخبات كأس العالم 2026 العربية نت - تقرير: وكالة الأمن القومي الأميركية تستخدم نموذج "ميثوس" لعمليات سيبرانية CNN بالعربية - لقطة غريبة.. شقيق دوي يسجل هدفًا لساحل العاج أمام أنظار ديزري الذي يمثل فرنسا
عامة

السودان.. 3 سنوات من التهميش والرابعة تطرق الأبواب

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 أسبوع
1

حين يصبح النسيان نظاما لا حادثةلكل أزمة ممتدة لحظة تتحول فيها من حدث استثنائي إلى خلفية اعتيادية؛ لحظة يتوقف فيها الضمير الدولي عن الشعور بثقلها، ويبدأ في التعامل معها كمعطى مستقر لا كجرح مفتوح يستد...

ملخص مرصد
مرت ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان (أبريل 2023) دون أن تحظى باهتمام دولي يتناسب مع حجمها، حيث تراجعت أولوياتها في المشهد الدولي إلى مجرد أرقام وبيانات دون أثر عملي. يعاني المدنيون من نزوح ومجاعة، لكن الأرقام فقدت وقعها الإنساني، فيما يتشكل مصير السودان في ظل غياب صوت سوداني مؤثر في روايته. لم تسفر السنوات الثلاث عن أي تحول حقيقي في مسار الأزمة، بل رسخت نمطاً من التعايش مع استمرارها.
  • الحرب في السودان مستمرة منذ 3 سنوات دون استجابة دولية كافية (منذ أبريل 2023)
  • أكثر من 10 ملايين نازح و25 مليوناً يعانون المجاعة بحسب تقارير موثقة
  • السودان يواجه خطر فقدان روايته المحلية لصالح روايات خارجية بسبب تراجع الاهتمام الدولي
من: السودانيون/المدنيون أين: السودان

حين يصبح النسيان نظاما لا حادثةلكل أزمة ممتدة لحظة تتحول فيها من حدث استثنائي إلى خلفية اعتيادية؛ لحظة يتوقف فيها الضمير الدولي عن الشعور بثقلها، ويبدأ في التعامل معها كمعطى مستقر لا كجرح مفتوح يستدعي علاجا.

وما يستحق التأمل الحقيقي في الحالة السودانية أن هذه اللحظة قد مضت منذ وقت طويل، وأن ثلاثة أعوام كاملة من المعاناة المتراكمة لم تكن كافية لاستعادتها أو إعادة الاهتمام إلى مستوى يوازي حجم ما يجري.

في أبريل 2023 اشتعلت الحرب، ومنذ تلك اللحظة والسودان يعيش ما يمكن تسميته بمفارقة الكارثة المرئية: أزمة موثقة، حاضرة في التقارير، متداولة في البيانات، ومع ذلك تتراجع باطراد في ترتيب الأولويات الدولية حتى استقرت في ذلك الموضع الأكثر خطورة: موضع ما يعرف ولا يستنفر، ويرصد ولا يستوجب استجابة.

واليوم، ونحن على أعتاب العام الرابع، لا تلوح في الأفق قرينة واحدة تشير إلى أن هذه المعادلة في طريقها إلى التغير.

حين يتعلم الضمير الدولي أن يعبر دون أن يتحمل تكلفة التعبير، يكون قد أتقن فن الإفلات المنظم من المسؤولية، وأحكم صياغة مسافة مقبولة بين الإدراك والفعلالنسيان الذي لا يحتاج إلى قرارالوقوع في خطأ تصوير نسيان السودان على أنه غياب مقصود أمر يسير.

الحقيقة أكثر تعقيدا وأشد إيلاما: لم يجتمع أحد ويقرر تجاهل ما يجري.

النسيان هنا آلية ناعمة تشتغل بالتراكم؛ تقرير يقرأ ثم يطوى، وبيان يصدر ثم ينسى، واجتماع يعقد ثم يتفرق أصحابه دون أثر يذكر.

ومع تكرار هذه الدورة عاما بعد عام، يترسخ نمط من الاهتمام الشكلي يؤدي وظيفة اللامبالاة بكلفة أخلاقية أخف.

وما يجعل هذا النمط بالغ الخطورة أنه ينتج وهما مريحا: وهم أن العالم يكترث لأنه يوثق، وأن المنظومة الإنسانية الدولية تعمل لأنها تصدر البيانات وتعقد الاجتماعات.

غير أن الفجوة بين الإنتاج الخطابي والأثر الفعلي في السودان باتت واسعة إلى درجة أنها أصبحت جزءا من الأزمة نفسها لا هامشا عليها.

حين يتعلم الضمير الدولي أن يعبر دون أن يتحمل تكلفة التعبير، يكون قد أتقن فن الإفلات المنظم من المسؤولية، وأحكم صياغة مسافة مقبولة بين الإدراك والفعل.

وهذه المسافة، في حالة السودان، لم تضق يوما بما يكفي.

المدنيون، وهم في الأصل المعيار الأول لأي استجابة سياسية أو أخلاقية تستحق هذا الاسم، باتوا يقدمون للعالم في هيئة أرقام تتكرر في التقارير دون أن تترك وقعا، أو في لقطات عابرة على شاشات اعتادت المأساة حتى فقدت قدرتها على الاستنكارالأرقام التي لا توجع أحداأكثر من عشرة ملايين نازح، وعشرات الآلاف من القتلى، ومجاعة تطال ما يزيد على خمسة وعشرين مليون إنسان.

هذه الأرقام حقيقية وموثقة ومتاحة لكل من يريد، والمفارقة المؤلمة أنها باتت جزءا من المشكلة لا رافعة للحل.

حين تقدم المأساة في صورة أرقام متراكمة يحدث تحول خفي في ذهن المتلقي: تنزلق التجربة الإنسانية من مستوى الوجع إلى مستوى الإحصاء.

والإحصاء، مهما عظم، لا يوجع كما يوجع وجه واحد بعينه.

الطفل الذي تركت أسرته منزلها في الخرطوم أو الفاشر أو نيالا ولم تعد، موجود داخل تلك الأرقام لكنه غائب عنها في آن واحد.

وفي خضم هذا التحول الزمني القسري، يتراجع الحضور الإنساني للحرب في الوعي العام تراجعا لافتا، على الرغم مما خلفته من أثر مادي وبشري هائل.

المدنيون، وهم في الأصل المعيار الأول لأي استجابة سياسية أو أخلاقية تستحق هذا الاسم، باتوا يقدمون للعالم في هيئة أرقام تتكرر في التقارير دون أن تترك وقعا، أو في لقطات عابرة على شاشات اعتادت المأساة حتى فقدت قدرتها على الاستنكار.

وهكذا ينتقل السودان من مشهد حرب مفتوحة صارخة إلى وضع أكثر إشكالا وأشد خطورة: حرب تحكى بصوت منخفض، وتروى من بعد، بما لا يعكس حجمها ولا عمق جرحها.

السودان اليوم في سباق مع هذا الخطر بالذات، وكل يوم يمر دون أن تروى تجربته من داخلها هو يوم تتراجع فيه قدرته على تشكيل روايته المستقبليةالحروب التي لا تروى من داخلها يعاد تشكيلها من الخارج.

وما يعاد تشكيله من الخارج يفقد في كل مرة شيئا من حقيقته، حتى تغدو الرواية المتداولة ظلا باهتا لما جرى فعلا على الأرض.

وهذا تحديدا ما يجعل السؤال عمن يكتب ما يحدث في السودان سؤالا سياسيا بامتياز، لا مجرد تساؤل ثقافي أو أكاديمي.

ثلاثة أعوام أنتجت أرشيفا ضخما من التقارير والإحصاءات والتحليلات، غير أن الصوت السوداني في هذا الأرشيف لا يزال هامشيا قياسا بحجم التجربة التي يفترض أنه يرويها.

والشعوب التي فقدت سردية أزمتها لصالح من يملك ميزان التأثير في اللحظة الراهنة دفعت ثمن ذلك في أجيال لاحقة، حين اكتشفت أن التسويات التي أبرمت دون صوتها تحمل في بنيتها هشاشة متأصلة لا يكشفها الزمن إلا متأخرا.

والسودان اليوم في سباق مع هذا الخطر بالذات، وكل يوم يمر دون أن تروى تجربته من داخلها هو يوم تتراجع فيه قدرته على تشكيل روايته المستقبلية.

لا ينصرف السؤال الحاسم في نهاية المطاف إلى موعد انتهاء الحرب بقدر ما يتجه إلى ما يمكن فعله حتى لا تتحول إلى قدر عادي يقبل بصمت.

ثلاثة أعوام كافية لاختبار الجدية، وما كشفته النتيجة أن هذه الجدية لم تكن سوى أداء.

السودان بلد يعاد تعريفه في لحظة مفتوحة، ويمحى أمام الأعين ببطء لا يستوقف الأعين ذاتها.

وبين الاستنزاف الداخلي وتراجع الاهتمام الخارجي، يتشكل مصير شعب كامل دون أن يمنح ما يستحقه: صوت يسمع بما يليق بحجم وجعه، ورواية تكتب من داخله لا من خارج مأساته.

وبين الاستنزاف الداخلي وتراجع الاهتمام الخارجي، يتشكل مصير شعب كامل في لحظة مفتوحة لا يملك فيها قدرة كافية على ضبط اتجاهها أو التأثير في شروطهاعلى أعتاب سنة رابعة، ثمة سؤال جوهري يستحق الطرح بوضوح لا مراوغة فيه: هل أنتجت ثلاث سنوات من الاهتمام الدولي المتذبذب أي تحول حقيقي في مسار الأزمة، أم أنها رسخت نمطا من التعايش مع استمرارها وأضفت عليه شرعية الاعتياد؟الإجابة الصادقة، في ضوء ما هو مرئي، تميل إلى الثانية دون تردد.

والنسيان الذي يتراكم لا يتراجع بمرور الوقت؛ مروره ذاته يمنحه شرعية الاستمرار ويعمق جذوره في صميم المنظومة الدولية.

ما يجري في السودان أكبر من أن يختزل في أزمة إنسانية تنتظر حلا تقنيا أو تسوية بروتوكولية.

إنه مسار يعيد تشكيل مجتمع في عمقه، ويختبر قدرة دولة على الصمود في مواجهة استنزاف شامل لم تشهد إفريقيا ما يضاهيه في هذا العقد.

وبين الاستنزاف الداخلي وتراجع الاهتمام الخارجي، يتشكل مصير شعب كامل في لحظة مفتوحة لا يملك فيها قدرة كافية على ضبط اتجاهها أو التأثير في شروطها.

السودان، في تاريخه وحجمه وثقله الجغرافي والإنساني، أكبر بكثير من صورته في نشرات الأخبار.

وهذا وحده سبب كاف لمواصلة الكتابة عنه بما يستحقه من صبر وعمق وأمانة.

لأن ما يكتب اليوم هو جزء مما ستبحث عنه الأجيال القادمة حين تحاول أن تفهم كيف احترق بلد كامل، والعالم كان يعرف، ولم يجد في معرفته ما يلزمه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك