تستعيد الحولة في ريف حمص، اليوم، ذكرى واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في الذاكرة السورية، مع مرور 14 عاماً على مجزرة مروعة ارتكبتها قوات نظام الأسد المخلوع بحق المدنيين، وراح ضحيتها أكثر من مئة شخص، معظمهم من النساء والأطفال، في ليلة دامية ما تزال حاضرة في وجدان السوريين.
وفي إطار إحياء الذكرى، تنظم إدارة منطقة الحولة، بالتعاون مع المركز الثقافي في مدينة تلدو، اليوم الإثنين، فعالية خاصة بحضور شخصيات رسمية وفعاليات مجتمعية وإعلاميين من محافظة حمص، إلى جانب أهالي الضحايا وناجين وشخصيات من المنطقة.
وتأتي الفعالية تأكيداً على أهمية توثيق الحقيقة وصون ذاكرة الضحايا، وتجديد المطالبة بالعدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، في رسالة وفاء لتضحيات الشهداء وتمسك بقيم الحق والإنصاف.
تُعدّ منطقة الحولة سهلاً يقع غرب نهر العاصي، وتضم أربع مدن وبلدات رئيسية هي كفرلاها وتلدو وتلذهب والطيبة الغربية، وتحيط بها جبال سلسلة الحلو من الشمال والغرب والجنوب، في حين تحدّها من الشرق قرى وبلدات ريف حمص الشمالي، ويفصلها نهر العاصي عن مدينتي تلبيسة والرستن.
وانخرطت الحولة مبكراً في أحداث الثورة السورية رغم البيئة المحيطة بها، حيث شهدت أولى حالات العنف في نيسان/أبريل 2011، عندما قُتل أول متظاهر برصاص الأمن السياسي خلال “جمعة الصمود”، تلاه اقتحام لقوات النظام في اليوم التالي أسفر عن سقوط قتيل ثانٍ.
وفي هذا السياق، أوضح مدير المكتب الإعلامي في المنطقة، محمد لالو، أنّ فعالية إحياء الذكرى الرابعة عشرة لمجزرة الحولة ستكون هذا العام في إحدى مدارس المدينة، وأنّ برنامج الفعالية يتضمن عرض فيلم من إنتاج وزارة الداخلية يوثّق جانباً من التحقيقات وعمليات إلقاء القبض على عدد من المتورطين بالمجزرة.
وأضاف لالو لموقع" تلفزيون سوريا" أنّ من بين المشاركين في الفعالية أحد الناجين من المجزرة، وأشار إلى أنّ الهدف من إحياء الذكرى يتمثل في التأكيد الدائم على أنّ هناك مجازر ارتُكبت بحق الأبرياء، وأنّ العدالة يجب أن تتحقق، مضيفاً أنّ القوات الأمنية مستمرة في ملاحقة المجرمين حتى ينال كلّ شخص متورط عقابه.
تفاصيل المجزرة والآثار الإنسانيةوفي حديثه عن تفاصيل المجزرة، أوضح لالو أنّ عدد الضحايا بلغ 108 أشخاص، سقطوا على مرحلتين، لافتاً إلى أنّ مجموعات مسلحة موالية للنظام المخلوع" الشبيحة" اقتحمت منازل المدنيين ليلاً في أطراف بلدة تلدو بمنطقة الحولة، وقتلت كل من كان داخل تلك المنازل، من أطفال ونساء وكبار سن.
مضيفاً أنّ المرحلة الأولى أسفرت عن مقتل نحو 80 شخصاً، قبل أن تنتقل المجموعات نفسها إلى طرف آخر من المنطقة حيث قُتل قرابة 30 شخصاً إضافياً.
وذكر أنّ المجزرة ترافقت مع قصف عنيف استهدف المنطقة خلال تنفيذ عمليات القتل وبعدها، مشيراً إلى أنّ القصف استمر نحو سبع إلى ثماني ساعات، واستخدمت فيه صواريخ وطيران حربي، ما أدى إلى سقوط مزيد من الضحايا الذين أضيفوا إلى الحصيلة الإجمالية للمجزرة.
وأكد لالو أنّ غالبية الضحايا كانوا من النساء والأطفال، موضحاً أنّ كثيراً من الشبان كانوا حينها على جبهات القتال أو خارج المنطقة للعمل، وهو ما جعل العائلات داخل المنازل أكثر عرضة للهجوم.
وتابع: " حتى الأطفال الرضّع لم ينجوا من القتل".
وروى إحدى الحوادث المؤلمة، قائلاً إنّ الأهالي بعد جمع الجثامين في المسجد كانوا يحاولون التعرف إلى أصحابها، وبينهم ثلاثة أطفال لم يتمكن أحد من تحديد هوياتهم.
وأضاف أنّ الموجودين طلبوا من رجل كان يقف منهاراً في طرف المكان أن يساعدهم في التعرف إليهم، قبل أن يكتشف أنّ الأطفال الثلاثة هم أبناؤه.
وأوضح أنّ منطقة الحولة هي منطقة سهل الحولة تضم أربع مدن رئيسية هي تلدو وكفرلاها وتلذهب والطيبة، وأنّ المجزرة وقعت في تلدو، حيث كانت قوات النظام المخلوع تتمركز داخل المشفى الذي حُوّل إلى ثكنة عسكرية.
وقال إنّ المنازل التي تعرضت للهجوم كانت الأقرب إلى المشفى وإلى مواقع تمركز القوات، في حين كانت نقاط تمركز مقاتلي المعارضة بعيدة نسبياً بسبب طبيعة المنطقة المكشوفة والمرصودة.
وأضاف أنّ القوات المتمركزة في المشفى كانت تابعة لقوات النظام المخلوع، مشيراً إلى أنّ مجموعات من" الشبيحة" شاركت في تنفيذ الاقتحامات والقتل داخل المنازل.
كما لفت إلى أنّ القرى المحيطة بالمنطقة كانت تضم مجموعات موالية للنظام شاركت في الهجوم.
وتحدث لالو عن الآثار النفسية المستمرة للمجزرة على الأهالي والناجين، قائلاً إنّ كثيراً من ذوي الضحايا يتدمرون نفسياً مع حلول شهر أيار وذكرى المجزرة، مضيفاً أنّ الناجين أنفسهم ما زالوا يعيشون الصدمة حتى اليوم.
وذكر مثالاً لشاب من أصدقائه فقد 30 فرداً من عائلته في المجزرة، مؤكداً أنّ الذكرى السنوية تعيد إليه وإلى غيره من الناجين والأقارب مشاهد الألم والفقدان.
وختم لالو حديثه بالتشديد على ضرورة استمرار ملاحقة المسؤولين عن المجزرة ومحاكمتهم، معتبراً أنّ أقل ما يمكن تقديمه لأهالي الضحايا هو إنزال العقوبات القانونية بحق مرتكبي المجزرة في المكان الذي ارتكبت فيه، بما يخفف شيئاً من آلام العائلات المنكوبة.
اعتقال عدد من المتورطين في مجزرة الحولةوكانت وزارة الداخلية نشرت خلال العام الفائت مشاهد توثّق لحظة اعتقال عدد من المتورطين في مجزرة الحولة التي وقعت عام 2012 شمال غربي حمص.
ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 108 مدنيين في ذلك اليوم، من بينهم 49 طفلاً و32 سيدة، منهم 83 شخصاً من عائلتي السيّد وعبد الرزاق.
الجدير بالذكر أن المجتمع الدولي أبدى في اليوم الأول للمجزرة ردّة فعل قوية ضد النظام المخلوع، إذ دانتها الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، كما قرّرت الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وكندا وأستراليا طرد سفراء النظام وسحب بعثاتها الدبلوماسية من دمشق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك