ونحن نقترب من الميلاد الجماعي للخليج وللبحرين.
ميلاد انتصار الحداثة على القروسطية، انتصار الحضارة على “الخَضَّارة”، وتعملق دولة المدنية على الجمهورية الميليشياوية.
هنا فقط تجلت نعمة الخليج والبحرين.
وأن يهبك الله نعمة بحر فتلك نعمة كبرى، فكيف إذا وهبك الله نعمة “البحرين”.
كنا نظن أن جرح الحب أكثر إيلاما من أي جرح، بيد أننا اكتشفنا أن جرح الوطن أكثر ألما، ونحن نشهد الإيرانيين وهم يمطرون الخليج بصواريخ أحقادهم، ومسيرات “الجار” الحنون والأم الرؤوم للعرب والمسلمين كما ظلوا سنين يروجونها منتفخين كالحروق الجلدية.
لكن الجرح زادنا تماسكا وقوة خلف قيادتنا جلالة الملك المعظم وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
كما يقول ابن الرومي: “الجرح هو الذي يدخل منه النور”.
ولا نور أكبر من اختبار مهم من تماسك الوجع ليصنع وحدة وطنية، ولا أقوى من الألم من اختبار أصابع مرتجفة أو خنجر مسموم عجن بالكافيار وتمت صناعته بالأضلع وتسلل لينصنع الوجع في خاصرة عربية كنت تورق وردا فتدفقت دما.
وهنا يأتي دور المثقف كيف يخفف الجروح، ويفتح النوافذ لعالم يطل على حياة لا موت.
المثقف الذي يضع الستارة على نافذة تطل على جهنم.
ستارة لتغلق التخلف في صورة حكومة ملتحية تجيد توزيع حبات المسبحة خرزا في القصبة الهوائية للعالم.
حكومة تصنع في العراق ذئابا منفردة تحترف إلقاء صواريخ على كل الخليج من البحرين إلى الكويت والإمارات والسعودية وبقية مناطق الخليج؛ لتعلن آخر ما تبقى لها من ورقة توت على جسدها الممتلئ بعافية العهر السياسي والفكر المثقوب كالأحذية القديمة.
العدم الذي صنعوه بداخل أنفس مجتمعاتهم لن يتسلل للخليج؛ فالخليجي يزيل العدم من داخل النفس، ويحترف المناورة وهو يزيل الشوك من كتف الوطن ليستمر في التعايش مع الوجود، ويفتح له نافذة تطل على الوجود مهما كانت عبثية الكون وعدميته من تناقضات قدرية وجنون للإنسان في حبه لخراب العالم باسم الإله.
إيران تمثل صورة حية لرواية “الجوع” للروائي النرويجي الفائز بجائزة نوبل كنوت همسون، من شعب تحول إلى جائع وهو كان ممتلئا بفاكهة الحضارات.
شعب إيراني يستحق عيشا كريما لا أن يبقى ملقى على الأرصفة يبحث عن رغيف تحت خط القبر بسبب حكم ثيوقراطي ينتحب باسم الإله وداخل الجبة ألف سكين ومشنقة ومقبرة.
لن نبقى كخليجيين “مؤجلين” ولا على هيئة “الإنسان المؤجل” كما هو مصطلح الروائي الروسي تشيخوف، بل سنستمر في حب الحياة والدفاع عن الأرض والقيادة والشعب.
يقول عالم النفس الكبير إريك فروم: “الإنسان أصبح يمتلك لأجل الاستملاك لا الاستمتاع”.
لن نعيش لأجل أن نعيش، بل لأجل أن نستمتع.
لأجل أن نرتب أثاث القلب والفكر كي نقرأ العالم كتابا مفتوحا.
نرتب الجروح، نتقن فن إدارة الألم لكي نكتب أسماءنا على الأجنحة.
سيبقى الخليج يلبس ثيابه الأنيقة، ويصنع مجده بحداثة وسطية وقيم تسامحية، أما الذين اختاروا “كهف أفلاطون” من العزلة الكونية في بئر سيكوباتيتهم، فذات يوم سيفهمون أن الكون وسننه ضد الكف والكهف والخف والخوف.
* مستشار هيئة البحرين للثقافة والآثار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك