خلال السنوات الأولى لوصول السوريين إلى مصر، كان من السهل ملاحظة انتشارهم في أحياء كثيرة من القاهرة والجيزة والإسكندرية.
في شوارع فيصل والهرم والسادس من أكتوبر، وحتى بعض المدن الساحلية، ظهرت المطاعم السورية، ومحلات الحلويات والعطارة بشكل لافت.
لكن المشهد تغير تدريجيا منذ نهاية العام الماضي، كثير من المحلات أغلقت، وأعداد كبيرة من العائلات غادرت إلى سوريا، ونقلوا مشاريعهم إليها.
ومع هذا التراجع الملحوظ، بقيت منطقتا نصر والعبور تحافظان على الحضور السوري اللافت مقارنة ببقية المناطق، حتى باتتا تعتبران اليوم المركز الأوضح للمشاريع والتجمعات السورية في مصر.
في مدينة نصر، ما تزال اللهجة السورية تسمع بكثرة داخل المحلات والمطاعم والأسواق، وما تزال أسماء المدن السورية حاضرة على الواجهات التجارية.
يرى كثير من السوريين أن مدينة نصر تمتلك" وصفة مثالية" لاستمرار المشاريع السورية، فهي منطقة واسعة، مزدحمة، تضم طبقات اجتماعية متنوعة، وتتمتع بحركة تجارية طوال اليوم.
إضافة إلى ذلك، تحولت المنطقة عبر السنوات إلى نقطة جذب تلقائية للسوريين والمصريين، سواء للسكن أو العمل، ما خلق شبكة اجتماعية واقتصادية متماسكة.
تقول آية، وهي مصرية تعمل في محل حلويات سوري: " السوري عندما يأتي إلى مصر كان غالباً ما يعرف مدينة نصر ويسأل عنها، لأن كل شيء موجود فيها، خدمات ومطاعم وبيوت للسكن، وحتى الشعور بالألفة".
وتوضح لموقع تلفزيون سوريا بأن كثيراً من السوريين ما يزالوا يقصدونها لشراء المنتجات السورية خصوصاً بعد تقلص أعداد المحلات في باقي المناطق.
وتضم المنطقة عدداً كبيراً من المطاعم والمتاجر السورية المعروفة، من بينها مطاعم متخصصة بالشاورما والمشاوي والحلويات السورية.
العبور.
مدينة" الاستقرار العائلي"على الرغم من أن العبور تعتبر ذات طابع تجاري أيضاً، إلا أنها أكثر هدوءاً وتنظيماً، وهو ما جعلها وجهة مفضلة للمستثمريين والعائلات السورية الباحثة عن الاستقرار.
ومع استمرار حملات التضييق والترحيل، ما تزال مدينة العبور محافظة على عدد كبير من السوريين، والمحلات السورية التي ما تزال صامدة أمام الظروف التي يعيشها السورين في مصر.
يقول أبو محمود، وهو صاحب محل حلويات في العبور: " ليست فقط مكاناً للعمل، بل هي مكان للاستقرار أيضاً، أنا وعائلتي نملك إقامة استثمار، ولم نتعرض لأي مضايقات، فمن الصعب أن أقفل محلي بعد سنوات من التعب".
ويشير مصريون إلى أن استمرار نشاط المتاجر السورية المتخصصة بالطعام والمنتجات السورية داخل نصر والعبور، يعكس بقاء الطلب على هذه المنتجات رغم الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة.
قبل أعوام، كانت المشاريع السورية تنتشر بسرعة كبيرة في مصر، مستفيدة من الإقبال على الطعام السوري، ومن السمعة التي اكتسبها السوريون في مجالات المطاعم والحلويات والصناعات الغذائية، لكن الظروف الأمنية والتضييق الأخير أثرت على السوريين في مناطق مختلفة من مصر.
وزيادة تكاليف العمالة بسبب عودة عدد كبير من الشباب السوري، والتضييق على العاملين وترحيل عدد منهم، دفع عدداً كبيراً من أصحاب المشاريع إلى إغلاق محلاتهم أو تقليص نشاطهم، كما أن موجات العودة الى سوريا ساهمت أيضاً في تقليل أعداد السوريين داخل بعض المناطق التي كانت تعرف بوجودهم.
يقول سامر (اسم مستعار) وهو شاب سوري كان يملك محلاً صغيراً في منطقة فيصل: " قبل سنوات كان الشارع كله تقريباً محلات سورية، اليوم كثير منها اختفى، بعض الناس سافروا، وبعضهم لم يعد قادراً على تحمل الضغوطات".
ويضيف أن كثيراً من السوريين لم يعودوا يبحثون عن المكان التجاري المناسب فقط، بل عن المنطقة التي تمنحهم فرصة للاستقرار الاجتماعي أيضاً.
رغم الحضور القوي في هذه المناطق، لا يخفي سوريون مخاوفهم من المستقبل، خصوصاً مع استمرار الضغوط الاقتصادية والتضييق الأمني عليهم.
بعضهم يرى أن مدينتي نصر والعبور قد تواجهان لاحقاً التحديات نفسها التي واجهتها مناطق أخرى، في حين يعتقد آخرون أن وجود بنية اجتماعية سورة قوية سيمنحهما قدرة أكبر على الصمود.
تقول لمى محسن (اسم مستعار) وهي سورية مقيمة في مدينة نصر، على الرغم من الاستقرار الجزئي الذي نعيشه، إلا أننا لا نعلم ماذا سيحصل الأيام القادمة، المدن التي كان يعيش فيها أعداد كبيرة من السوريبن باتت شبه فارغة.
لكن المؤكد حتى الآن أن المنطقتين ما تزالان تمثلان" الملاذ" الأكثر استقراراً للمشاريع السورية في مصر، في وقت تراجعت فيه ملامح الوجود السوري في أماكن أخرى كانت يوماً ما تعج بالمحال واللهجة الشامية وروائح الطعام السوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك