الأضحية من أجل شعائر الإسلام وأعظم القربات في يوم النحر وأيام التشريق، وقد أولاها الفقهاء عناية بالغة ضبطا لأحكامها وصونا لمقاصدها.
غير أن المتأمل في واقعنا المعاصر يجد حولها جملة من الإشكاليات؛ بين من يستهين بها أو يتبرم منها، ومن يتكلف فيها فوق طاقته، ومن يشكو من غلاء أسعارها وهو ينفق في مآكله ومشاربه أضعاف ثمنها.
يضاف إلى ذلك غياب الدور الحكومي في ضبط السوق وحماية المواطن من الاحتكار.
وهذا المقال يسعى إلى معالجة هذه الجوانب في ضوء الفقه الإسلامي ومقتضيات العقل.
من يتألم من ضيق حاله وعجزه عن أدائها فهذا معذور مأجور، ومن يتبرم من الشعيرة نفسها ويستثقلها فهذا موقف خاطئ يحتاج إلى مراجعةالترغيب في الأضحية وفضلهاوردت في فضل الأضحية نصوص كثيرة تدل على عظم منزلتها، وقد واظب النبي ﷺ عليها ولم يتركها، وكان يضحي بكبشين أملحين أقرنين.
وفضلها لا يقتصر على صاحبها، بل يتعداه إلى أهله وذويها، ويفيض أثره على الفقراء والمحتاجين.
وهي في حقيقتها إحياء لسنة أبينا إبراهيم عليه السلام حين فدى الله ولده بكبش عظيم، فكانت هذه الشعيرة تجديدا لتلك الذكرى العظيمة في كل عام.
ولهذا ينبغي للمسلم القادر أن يحرص عليها حرصا بالغا، وألا يتساهل في تركها من غير عذر، فإن المداومة عليها من علامات تعظيم شعائر الله.
ثمة ظاهرة مقلقة تتكرر مع كل موسم أضحية، وهي استهزاء بعض الناس بها أو التعبير عن الضجر منها بحجة الغلاء أو بدواع أخرى.
وهذا الموقف ينبغي التحذير منه بوضوح، لأن الاستهزاء بشعائر الله مذموم شرعا، بل هو من أشد ما ينبغي أن يتحاشاه المسلم، قال تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32].
والفرق جوهري بين أمرين: من يتألم من ضيق حاله وعجزه عن أدائها فهذا معذور مأجور، ومن يتبرم من الشعيرة نفسها ويستثقلها فهذا موقف خاطئ يحتاج إلى مراجعة.
فالأضحية ليست ضريبة تفرض، ولا عبئا اجتماعيا، بل هي قربة يتشوق إليها المؤمن ابتغاء مرضاة الله.
مما يستوقف الناظر في هذه المسألة أن بعض من يشكون من غلاء الأضاحي لا تنطبق عليهم معايير العجز التي يتذرعون بها.
فثمة أناس ينفقون في المطاعم مئات، بل آلاف الدراهم، في وجبة واحدة، ثم يعلنون ضيقهم من ثمن الأضحيةفقه الاستطاعة وعدم التكلففي المقابل، لا يعني تعظيم الشعيرة إلزام الناس بما لا يطيقون.
فالأضحية سنة مؤكدة في حق القادر، ومناطها الاستطاعة الحقيقية التي تقدر بما يفضل عن الضروريات الأصلية من طعام وكراء ودواء.
ومن هنا يتدرج الأمر بحسب الأحوال:من وسع الله عليه فله أن يشتري النفيس من الأضاحي.
ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، وليختر ما يناسب حاله.
ومن عجز أصلا فلا حرج ولا تثريب عليه، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ولا ينبغي أن تتحول الأضحية إلى مناسبة للمباهاة الاجتماعية أو الضغط النفسي؛ فمن اشترى أضحية بالاستدانة أو على حساب نفقة أهله الواجبة فقد وقع في حرج هو في غنى عنه.
والشريعة جاءت لرفع الحرج لا لزيادته.
نقد ازدواجية المعايير عند بعض القادرينومما يستوقف الناظر في هذه المسألة أن بعض من يشكون من غلاء الأضاحي لا تنطبق عليهم معايير العجز التي يتذرعون بها.
فثمة أناس ينفقون في المطاعم مئات، بل آلاف الدراهم، في وجبة واحدة، ثم يعلنون ضيقهم من ثمن الأضحية.
وهذا التناقض يكشف أن المسألة ليست عجزا حقيقيا عن الأداء، بل هي في بعض الأحيان إعادة ترتيب للأولويات لغير صالح الشعائر الدينية.
والمسلم الواعي يدرك أن ما ينفقه في ملذاته الدنيوية ينبغي أن يدفعه إلى مراجعة دعوى العجز عن القربات الشرعية.
وهذا لا يعني إلزام أحد بما لا يقدر عليه، بل يعني المطالبة بالصدق في تقدير الاستطاعة، وعدم الاختباء وراء شعار الغلاء ممن يملك القدرة لكنه لا يملك الإرادة.
الأضحية شعيرة عظيمة تستحق أن نتعامل معها بمسؤولية على جميع المستويات؛ فالأفراد مطالبون بتعظيمها وأدائها بحسب استطاعتهم الحقيقية دون تكلف ولا تهرب، والدولة مطالبة بصون هذه الشعيرة من استغلال المحتكرين وضبط السوقمسؤولية الدولة في ضبط السوقلا يمكن الحديث عن غلاء الأضاحي دون الإشارة إلى المسؤولية الحكومية التي لا يجوز إغفالها.
فمن واجب الدولة أن تحمي المواطنين من الاحتكار وجشع بعض تجار الماشية الذين يستغلون موسم الأضحية للتربح على حساب الناس.
إن ترك السوق دون رقابة فعلية في هذه المناسبة يعد تقصيرا واضحا في حق المواطن؛ إذ لا يكفي أن تذكر الدولة بأحكام الاستطاعة، بينما تتفرج على ارتفاع الأسعار ارتفاعا غير مبرر كل عام.
فالرقابة على أسواق الماشية، وتحديد هوامش الربح المعقولة، ومكافحة الاحتكار، من صميم واجبات الحكم الرشيد الذي أمر به الإسلام.
فالأضحية شعيرة عظيمة تستحق أن نتعامل معها بمسؤولية على جميع المستويات؛ فالأفراد مطالبون بتعظيمها وأدائها بحسب استطاعتهم الحقيقية دون تكلف ولا تهرب، والدولة مطالبة بصون هذه الشعيرة من استغلال المحتكرين وضبط السوق بما ييسر على المواطنين أداءها.
وحين تستقيم هذه المسؤوليات جميعا، تتحقق مقاصد الشريعة من هذه الشعيرة المباركة كاملة غير منقوصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك