تحولت وفاة مؤسس" مانغو" الملياردير إيزاك أنديك إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في إسبانيا، بعد أن قادت التحقيقات إلى توقيف نجله جوناثان، في تطور يعمق الشكوك حول علاقة متوترة خيمت لسنوات على واحدة من أبرز قصص النجاح في قطاع الأزياء الأوروبي.
انهارت آمال الظهور الهادئ سريعاً عندما وصل جوناثان أنديك، نائب رئيس مجلس الإدارة والمالك المشارك لسلسلة" مانغو"، إلى محكمة قرب برشلونة مكبل اليدين وتحت حراسة مشددة، قبل أن يفرج عنه بكفالة بعد ساعات، وفقاً لما ذكرته" بلومبرغ"، واطلعت عليه" العربية Business".
يخضع أنديك (45 عاماً) لتحقيقات بشأن ملابسات وفاة والده في ديسمبر 2024، إثر سقوطه خلال رحلة تنزه في جبال كتالونيا.
وتبقى الكلمة الفصل للقضاء، الذي سيقرر ما إذا كانت القضية ستصنف كجريمة قتل تستوجب المحاكمة.
ورغم نفي الابن أي تورط، وتأكيد الأسرة – بما في ذلك شقيقتاه وعمه – على براءته، فإن توقيفه العلني أعاد تسليط الضوء على صراع معقد بين الأب العصامي ونجله، امتد لسنوات داخل وخارج أسوار الشركة.
تشير روايات موظفين ومسؤولين سابقين وأصدقاء للعائلة إلى علاقة متوترة بين الأب وابنه، اختلطت فيها حدود العائلة بالأعمال، خاصة فيما يتعلق بإدارة الشركة وخلافة القيادة.
انضم جوناثان إلى" مانغو" في 2005، وكان ينظر إليه كوريث طبيعي لشركة تحولت إلى أحد أكبر منافسي" زارا" في أوروبا، بل تولى في وقت ما دوراً تنفيذياً غير رسمي يشرف على مختلف خطوط الإنتاج.
لكن ظل والده كان طاغياً، إذ احتفظ إيزاك بتأثير قوي وامتنع لسنوات عن التخلي الكامل عن زمام القيادة، ما صعب انتقال السلطة داخل الشركة.
حتى شقيقتا جوناثان، جوديث وسارة، عملتا لفترات داخل الشركة قبل أن تغادرا، في ظل معايير صارمة فرضها الأب.
مؤسس عصامي.
وثروة بملياراتبدأت قصة إيزاك أنديك، المهاجر التركي اليهودي، في سبعينيات القرن الماضي، عندما شرع ببيع قمصان مستوردة لزملائه، قبل أن يؤسس مع شقيقه متجراً صغيراً في برشلونة.
لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت عام 1984 مع تأسيس" مانغو"، التي تحولت إلى واحدة من أكبر سلاسل الأزياء في أوروبا، بثروة قدرت بنحو 4 مليارات دولار.
رغم شخصيته الجذابة، عرف عنه أسلوب إداري صارم وقرارات جريئة أحياناً، ما عزز ثقافة شركة تتمحور حول رؤيته الشخصية وسلطته المباشرة.
أزمة خلافة.
وتحولات مؤلمةواجهت" مانغو" صعوبات في ملف الخلافة مع تقدم المؤسس في السن.
ففي 2010، ألمح إيزاك إلى أن أبناءه قد يتولون القيادة، لكنه شدد على أن مصلحة الشركة يجب أن تتفوق على اعتبارات العائلة.
وفي 2013، صعد جوناثان إلى مجلس الإدارة وتولى مسؤوليات واسعة، قبل أن يقدم كخليفة فعلي لوالده.
لكن الأمور انقلبت سريعاً بعد دخول الشركة مرحلة تحول مكلفة نحو نموذج" الأزياء السريعة"، ما أدى إلى خسائر لثلاث سنوات متتالية.
وبينما وضع جوناثان على الهامش، يرى مقربون أن قرارات الأزمة لم تكن مسؤوليته وحده، بل نتاج خيارات سابقة وصراعات داخلية.
في خضم الأزمة، استعان إيزاك بمدير الشؤون المالية توني رويز، الذي أصبح لاحقاً مديراً تنفيذياً، وقاد الشركة إلى التعافي وتحقيق نتائج قياسية بعد الجائحة.
ومع الوقت، تراجع دور المؤسس تدريجياً، مكتفياً بمتابعة عامة، قبل أن تقع الحادثة التي أنهت حياته.
من حادث عرضي إلى شبهة جنائيةفي البداية، صنفت الشرطة وفاة إيزاك كحادث عرضي بعد سقوطه من منحدر خلال رحلة مع نجله.
لكن القضية أعيد فتحها لاحقاً، لتتحول إلى تحقيق جنائي استمر نحو 17 شهراً.
وأظهرت وثائق المحكمة أن جوناثان كان يمر بأزمة مهنية وشخصية وعائلية، خاصة مع والده، كما كان على علم بنيته تعديل وصيته وإنشاء مؤسسة خيرية.
كما أشارت التحقيقات إلى معطيات مثيرة، منها زيارة الابن لموقع الرحلة عدة مرات قبل الواقعة، واختفاء هاتفه خلال رحلة لاحقة، ما دفع القاضي إلى اعتبار أن الوفاة" قد لا تكون عرضية".
أفرج عن جوناثان بكفالة بلغت مليون يورو، مع سحب جواز سفره وإلزامه بالحضور الأسبوعي أمام المحكمة.
وتؤكد عائلته أن نظرية القتل غير منطقية ومؤلمة، مشيرة إلى أن القضية لا تزال في بدايتها، وأن الحقيقة ستظهر.
كما دافعت إدارة" مانغو" عنه، واعتبرته" ضحية" للتداعيات.
ثروة مهددة.
وشركة تحت الضغطيمتلك جوناثان مع شقيقتيه نحو 95% من الشركة، فيما يمتلك رويز 5% حصل عليها كمكافأة نادرة من المؤسس.
لكن القضية تلقي بظلالها على مستقبل الشركة، التي طالما ترددت أنباء عن احتمال طرحها في البورصة.
أثارت القضية اهتماماً واسعاً في إسبانيا، خاصة في كتالونيا حيث تعد" مانغو" رمزاً اقتصادياً، وتحولت تفاصيلها إلى حديث الشارع ووسائل الإعلام.
ومع قرار المحكمة الأخير بوجود مؤشرات كافية على احتمال وجود شبهة جنائية، تصدرت صور جوناثان مكبل اليدين الصفحات الأولى للصحف، في وقت لا تزال فيه الإجابة النهائية معلقة بين قاعات القضاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك