وكالة شينخوا الصينية - كبير الدبلوماسيين الصينيين: الصين مستعدة لتعزيز التعاون مع الحكومة الجديدة في ميانمار العربي الجديد - المعروض العالمي من اللحوم يتضاعف أربع مرات منذ 1961 بفعل الدواجن وكالة الأناضول - اليمن إلى كأس آسيا.. فرحة تهز "شباك الانقسام" فرانس 24 - إيرلندا تحظر دخول الوزيرين الإسرائيليين بن غفير وسموطريتش العربية نت - خلل تقني يمنح عدداً من المشجعين تذاكر مجانية لكأس العالم 2026 CNN بالعربية - الجيش الأمريكي يرد على مزاعم البحرية الإيرانية بمهاجمة سفنه الحربية في بحر عُمان القدس العربي - عون للحرس الثوري: هذه ليست بلادكم.. وسلام: لتتوقف إيران عن التعامل مع جنوب لبنان كورقة لتحسين شروط مفاوضاتها قناة العالم الإيرانية - حين يُنتشل التاريخ من الركام.. حكاية الذاكرة الفلسطينية التي لا تموت! قناة التليفزيون العربي - أخطاء ترمب القاتلة تهز الحزب الجمهوري وفاتورة الحرب على إيران تشعل غضب الشارع ضده فرانس 24 - فيديو لاعتداء على مهاجرة في تونس: صدمة... ولا اختراق في ملف الهجرة
عامة

الضعين تبكي ومجازيب الحنين

سودانايل الإلكترونية
4

«أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم».تبكي الضعين اليوم، لا لأنها فقدت فنانًا فحسب، بل لأنها فقدت صوتًا كان، في لحظات السودان المتعبة، يشبه قنديلاً صغيرًا...

ملخص مرصد
توفي الفنان السوداني مجذوب أونسة، الذي اشتهر بصوته الهادئ ودوره في تخفيف قسوة الحياة عن الآخرين. فقدت الضعين وفناني مجازيب الحنين صوتًا كان بمثابة قنديل في عتمة السودان، إذ جمع الناس حول الفن والثقافة بعيدًا عن الصراعات. رحل الفنان تاركًا إرثًا غنيًا في الأغنيات والذكريات، رغم توقف مهرجان الضعين الثقافي بسبب القيود الأمنية والحرب الدائرة.
  • فنان سوداني شهير رحل عن عمر يناهز 60 عامًا بحسب عائلته
  • اشتهر مجذوب أونسة بغنائه الهادئ ودوره في توحيد السودانيين حول الفن والثقافة
  • توقف مهرجان الضعين الثقافي بسبب القيود الأمنية والحرب الدائرة في السودان
من: مجذوب أونسة أين: السودان (الضعين)

«أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم».

تبكي الضعين اليوم، لا لأنها فقدت فنانًا فحسب، بل لأنها فقدت صوتًا كان، في لحظات السودان المتعبة، يشبه قنديلاً صغيرًا في آخر العتمة.

وتبكي معها مجازيب الحنين، أولئك الذين كانوا يجدون في صوت مجذوب أونسة شيئًا من دفء الوطن القديم؛ السودان الذي كانت القبائل فيه تتعارف بالأغنيات لا بالمتاريس، وتلتقي فيه الأرواح قبل الأجساد.

لم يكن مجذوب أونسة مجرد صوتٍ جميلٍ عبر في ذاكرة السودانيين ثم مضى، بل كان واحدًا من أولئك النادرين الذين يمشون بين الناس كأنهم خُلِقوا لتخفيف قسوة الحياة عن الآخرين.

بعض البشر يمنحك، بمجرد الجلوس إليه، شعورًا خفيًا بأن الدنيا ما تزال تحتفظ بشيءٍ من الطيبة، وكان مجذوب من هؤلاء؛ رجلٌ فيه براءة الأطفال الذين لم تفسدهم الخصومات، وشموخ الكبار الذين عرفوا الحياة دون أن تنطفئ أرواحهم.

وحين بلغني خبر رحيله شعرتُ كأن قطعةً حميمة من الوجدان السوداني قد انكسرت بصمت.

فثمة أصوات لا نعتادها بوصفها أصواتًا فحسب، بل بوصفها جزءًا من ذاكرة البيوت، ومن دفء الأمسيات، ومن صورة السودان الذي كنّا نحب أن نراه: سودانًا يتسع للناس جميعًا، وتلتقي فيه القبائل كما تلتقي الأنغام في أغنيةٍ عظيمة.

لم يكن مجذوب يغني للناس بقدر ما كان يغني فيهم؛ يوقظ فيهم الحنين إلى وطنٍ أقل قسوة، وأكثر براءة.

ولذلك أحبّه الناس على اختلاف جهاتهم ومشاربهم، لأنه لم يكن فنان جهةٍ أو قبيلة، بل فنان ذلك السودان العميق الذي ظل، رغم الجراح، يبحث عن نفسه في القصيدة والأغنية والضحكة الصافية.

وأكثر ما تستحضره ذاكرتي اليوم تلك الرحلة البعيدة إلى الضعين عام 2007، حين اصطحبته ومعه القدّال، وعبدالقادر سالم، وعبدالرحمن عبدالله، وكامل عبدالماجد ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ إلى مهرجان الضعين الثقافي، وكان ضيف الشرف الشيخ الفاتح بن الشيخ عبدالرحيم البرعي رضي الله عنه.

يومها، دخل أولئك الفنانون أرض الضعين وهم يظنون أن الغرب بعيدٌ عن أشعارهم وأغنياتهم، فإذا بهم يفاجأون بجمهورٍ يتحول إلى chorus سوداني مهيب، يسبقهم إلى القصائد والأغنيات عن ظهر قلب، كأنما كانت تلك الأشعار قد نبتت أصلًا في تراب دارفور ثم عادت إليها بعد غياب.

أذكر الدهشة في عيني مجذوب، وأذكر تلك الابتسامة الطفولية التي كانت تشرق على وجهه كلما تعالت الحناجر بالأغنيات.

لم تكن دهشة فنانٍ أمام جمهورٍ حافظ، بل دهشة عاشقٍ اكتشف أن السودان ـ رغم كل شيء ـ ما يزال قادرًا على الاجتماع حول الجمال.

كان يدرك، بحسّه الإنساني البسيط والعميق، أن الفن ليس ترفًا، بل محاولة دائمة لترميم الأرواح المتعبة.

ولعل مهرجان الضعين الثقافي كان، في جوهره، محاولةً لمعالجة الإشكالات السياسية بأدوات الثقافة والمحبة والتعارف الإنساني، غير أنّ اللجنة الأمنية سرعان ما أوقفته، لأن الأنظمة المرتابة تخشى دائمًا الأمكنة التي يلتقي فيها الناس بلا خوف، ويكتشفون أنهم أقرب إلى بعضهم مما أوهمتهم السياسة.

ثم جاءت هذه الحرب اللعينة، فشقّت بين السودانيين أخدودًا معنويًا غائرًا، ودَفعت الناس إلى الاحتماء بالثنائيات الضيقة وخطابات التجييش والكراهية، حتى صار الوطن نفسه يبدو غريبًا عن صورته القديمة.

لعن الله الحرب ومن أشعلها ومن زيّنها للناس، فقد أطفأت في القلوب مصابيح كثيرة، وكان رجالٌ مثل مجذوب أونسة من آخر أولئك الذين ظلوا يزرعون الوطن في الحناجر بدل أن يزرعوا الأحقاد في الصدور.

رحل مجذوب، لكن الأرواح النبيلة لا تغيب تمامًا.

تبقى في الأغنيات التي تداوي وحدتنا، وفي الضحكات القديمة، وفي ذاكرة المدن التي أحبّته، وفي قلوب البسطاء الذين كانوا يرون فيه صورة الإنسان السوداني كما ينبغي أن يكون: ودودًا، خفيف الروح، نظيف القلب، واسع المحبة.

نسأل الله أن يتقبله في هذه الأيام المباركات، وأن يبرّد مرقده، ويجعله من أصحاب اليمين في عليّين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجزيه عن الناس خير ما يُجزى من أدخل السرور على القلوب وخفّف عن الأرواح وحشة الدنيا.

وخالص العزاء لأسرته الصغيرة، ولأسرته الكبرى: السودان، هذا الوطن المجيد الذي يفقد كل يومٍ بعضًا من أنقى أرواحه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك