رفعت" تنسيقية الشعوب الأصلية الليبية" المتحدثة باسم الأمازيغ والطوارق والتبو، مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والمبعوثة الأممية للدعم في ليبيا هنا تيتيه، معبرة فيها عن استيائها من المسار الإقصائي الذي وصفته بـ" الخطر".
وأكدت التنسيقية أن" أي ترتيبات سياسية لا تضمن مشاركة حقيقية وعادلة للمكونات الثقافية والاجتماعية في البلاد لن تؤدي إلى استقرار دائم".
ورفض التبو والطوارق والأمازيغ مخرجات لجنة (4+4) باعتبارها تقوم على" مسار إقصائي ممنهج، يكرس هيمنة مكون واحد على مؤسسات الدولة" (في إشارة إلى مكون العرب، باعتبار أن ليبيا فيها عرب وأمازيغ وطوارق وتبو).
وقالت التنسيقية إن هذه المكونات الثلاثة جزء أصيل من النسيج الوطني الليبي، وأن أية" تسوية سياسية لا تضمن مشاركتهم وشراكتهم الكاملة في صناعة القرار مصيرها الفشل، ولن تحقق الاستقرار المنشود".
وكانت الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد شكلت لجنة 4+4 في أبريل (نسيان) الماضي، ضمن مبادرة أممية لكسر حالة الجمود السياسي في ليبيا وتجاوز الخلافات بين مجلسي النواب والأعلى للدولة.
وتضم لجنة 4+4 أربعة ممثلين عن غرب ليبيا من حكومة" الوحدة الوطنية"، وأربعة ممثلين عن شرق ليبيا من القيادة العامة وبقية القوى الموالية لها.
وتسعى" لجنة 4+4" إلى التوصل إلى توافق على القوانين الانتخابية والإطار الدستوري، إضافة إلى إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي نقطة ترفضها تنسيقية الشعوب الأصلية المتحدثة باسم الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا.
وحذر رئيس المجلس الاجتماعي الأعلى لطوارق ليبيا مولاي قديدي من تداعيات هذا المسار السياسي، الذي تتبعه الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على وحدة واستقرار البلد.
وقال في حديث خاص" صدقية الأمم المتحدة أصبحت على المحك، بخاصة وأنها تؤكد المساواة ونبذ العنصرية من جهة، في حين تمارس سياسة الإقصاء ضد مكونات التوارق والأمازيغ والتبو في كل لجانها وبرامجها من جهة أخرى، على رغم التنبيه مراراً وتكراراً".
أما في ما يخص مطالب تنسيقية الشعوب الأصلية المتحدثة باسم الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا، فقد أكد رئيس المجلس الاجتماعي الأعلى لطوارق ليبيا ضرورة وقف جميع مخرجات" لجنة 4+4"، بما في ذلك إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، وإعادة هيكلة المسار التوافقي لضمان تمثيل كامل للمكونات الأصلية الثلاثة، معلناً أن تنسيقية الشعوب الأصلية الليبية ستقاطع أية عملية انتخابية إذا لم يجر النظر في مطالبهم.
ويذكر أن هذه المذكرة هي الأولى من نوعها التي تصدر عن المكونات الثلاثة مجتمعة: الأمازيغ والتبو والطوارق.
وتعليقاً على تلويح الأمازيغ والتبو والطوارق بمقاطعة الانتخابات، قال المتخصص بالعلوم السياسية إلياس الباروني إن هذا الأمر يحمل أبعاداً سياسية وصفها بـ" الخطرة"، لأن الانتخابات في الدول الخارجة من النزاعات لا تقاس فقط بإجرائها، بل بدرجة شموليتها وقدرتها على إنتاج شرعية وطنية جامعة.
وتابع أنه في الحالة الليبية، فإن أية مقاطعة من هذه المكونات قد تؤدي إلى نتائج عدة، أولها إضعاف شرعية الانتخابات ونتائجها، لأن غياب مكونات رئيسة عن العملية الانتخابية سيجعل أية سلطة منتخبة عرضة للطعن السياسي والأخلاقي، باعتبار أنها لا تمثل كامل النسيج الوطني.
وتابع أن النتيجة الثانية تتمحور حول تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي، لأن المقاطعة ستكرس شعوراً بوجود" مركز مهيمن" يقابله" هامش مقصى"، وهو ما يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.
أما النتيجة الثالثة، أكد الباروني أنها ستهدد الاستقرار في المناطق الحدودية والجنوبية، بخاصة أن التبو والطوارق يمثلان امتداداً جغرافياً وأمنياً مهماً في الجنوب الليبي، وأي توتر في علاقتهما مع الدولة سينعكس على ملفات الأمن والهجرة والتهريب والحدود، إضافة إلى إعطاء فرصة أكبر للتدخلات الخارجية، لأن غياب التوافق الوطني الداخلي دائماً ما يفتح المجال أمام القوى الإقليمية والدولية لاستثمار الانقسامات الداخلية وتوظيفها سياسياً.
وقال إن القضية لم تعد مجرد خلاف حول لجنة أو تمثيل سياسي موقت، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الليبية على الانتقال من منطق" إدارة التوازنات الموقتة" إلى منطق" بناء دولة المواطنة والشراكة الوطنية الشاملة"، لأن الدول لا تبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل عبر شعور جميع مكوناتها بأنها جزء أصيل من الدولة وليست مجرد أطراف هامشية فيها، وفق الباروني.
ومنذ اندلاع انتفاضة الـ17 من فبراير (شباط) 2011 يشتكي أمازيغ وتبو وطوارق ليبيا التهميش السياسي، وكان الناشط المدني حسن مسعود حذر من تفتت ليبيا واندلاع حرب أهلية وقودها المكونات العرقية.
ووصف الباروني استمرار إقصاء مكونات الأمازيغ والتبو والطوارق من المسارات السياسية في ليبيا بـ" أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه مشروع بناء الدولة الوطنية بعد عام 2011"، مؤكداً أن القضية لم تعد مرتبطة بمجرد تمثيل سياسي محدود، بل أصبحت في تلازم مع الشرعية الوطنية وشكل الدولة الليبية المستقبلية.
وتابع الباروني أنه، منذ انطلاق العملية السياسية بعد انتفاضة فبراير 2011، بقي التعامل مع هذه المكونات وفق منطق" التمثيل الرمزي" لا" الشراكة الحقيقية"، على رغم أنها مكونات أصحاب الأرض أصيلة تاريخياً واجتماعياً وجغرافياً داخل الدولة الليبية.
وقال إن" اعتراض التنسيقية الممثلة للأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا على تشكيل لجنة (4+4) يعكس شعوراً متراكماً بأن القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل ليبيا تصاغ خارج دائرة التوافق الوطني الشامل".
وحول تداعيات هذا الإقصاء السياسي على الدولة الليبية، أكد الباروني أن الأمر يتوزع على مستويات عدة، أوله الوحدة الوطنية، لأن استمرار تهميش هذه المكونات قد يؤدي إلى تآكل فكرة الانتماء الوطني الجامع، باعتبار أن كل جماعة تشعر بأن الدولة لا تمثلها سياسياً ستبدأ تدريجاً في البحث عن بدائل هوياتية أو جغرافية أو حتى دولية لحماية مصالحها ووجودها.
وأضاف أن الخطر الثاني يتربص بمستوى الشرعية السياسية، لأن أي مسار سياسي لا يضم المكونات الثقافية والاجتماعية الرئيسة في البلاد، سيفقد جزءاً مهماً من شرعيته الداخلية، بخاصة أن هذه المكونات تسيطر على مناطق استراتيجية وحدودية وجغرافية شديدة الحساسية وأبرزها الجنوب الليبي.
ونوه أن الخطر الثالث يدور حول المستوى الأمني، لأن الإقصاء السياسي غالباً ما يتحول في الدول الهشة إلى توتر اجتماعي أو أمني، خصوصاً عندما تشعر الجماعات بأن الوسائل السياسية لم تعد قادرة على حماية حقوقها أو ضمان مشاركتها.
واجتمع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في مايو (أيار) الجاري، بوفد من اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا في العاصمة طرابلس، إذ جرت مناقشة مستجدات المشهد السياسي في ليبيا، وكيفية تهيئة المناخ الملائم للاستحقاق الانتخابي على أسس دستورية وقانونية عادلة.
وأكد المنفي أهمية حماية التنوع الوطني في ليبيا، وضمان مشاركة المكونات الثقافية والاجتماعية كافة في صياغة مستقبل البلاد من دون إقصاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك