في كل اتفاقات وقف إطلاق النار التي عرفها لبنان خلال العقود الماضية، كانت العناوين الكبرى واضحة، أبرزها وقف العمليات العسكرية، انسحاب القوات المتحاربة، انتشار الجيش اللبناني، وتعزيز دور القوات الدولية.
لكن الاتفاق الذي وُلد الأربعاء الماضي بين لبنان وإسرائيل وبرعاية أميركية يحمل في طياته بنداً مختلفاً قد يكون الأكثر تأثيراً منذ اتفاق الطائف في السعودية عام 1990 والقرار الأممي 1701، وهو بند" المناطق التجريبية" أو ما بات يُعرف سياسياً وإعلامياً بالمناطق النموذجية.
هذا البند تحديداً تحول إلى النقطة الأكثر غموضاً داخل الاتفاق.
فبينما جرى الإعلان عن وقف إطلاق النار وإطلاق مسار سياسي وأمني جديد، بقيت الأسئلة الحقيقية تدور حول معنى هذه المناطق وموقعها، وآلية عملها، والجهة التي ستديرها، وما إذا كانت تشكل فعلاً بداية مشروع واسع لنزع سلاح" حزب الله" أو مجرد ترتيبات أمنية موقتة لمنع عودة القتال.
في الواقع، لا تبدو المناطق التجريبية مجرد تفصيل تقني داخل الاتفاق، بل تشكل جوهره الحقيقي.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بانسحاب الجيش الإسرائيلي أو بوقف إطلاق النار، بل بمدى قدرة الدولة اللبنانية للمرة الأولى منذ عقود على الإمساك الفعلي بالأرض ضمن منطقة جغرافية محددة واحتكار السلاح وفرض سلطتها على المناطق التي كانت طوال أعوام جزءاً من معادلات أمنية وعسكرية معقدة.
ويؤكد متابعون أن فكرة المناطق التجريبية جاءت نتيجة محاولة أميركية لحل المعضلة الأساسية التي واجهت جميع المبادرات السابقة.
فمن جهة، لا تخفي إسرائيل عدم ثقتها بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ أي التزامات تتعلق بنزع السلاح أو منع إعادة بناء البنية العسكرية لـ" حزب الله"، مستندة إلى تجارب متكررة تعتبر أنها انتهت دائماً بعودة الحزب إلى المناطق التي انسحب منها أو إعادة تنظيم شبكاته العسكرية بصورة مختلفة، أبرزها بعد نهاية حرب يوليو (تموز) عام 2006.
ومن جهة أخرى، تمسك لبنان بموقف يعتبر أن أي معالجة أمنية يجب أن تبدأ بانسحاب إسرائيل أولاً، ومن ثم تولي الدولة اللبنانية مسؤولياتها الكاملة، ولعل هذا ما يفسر انسحاب إسرائيل من بعض البلدات الجنوبية ودخول الجيش اللبناني إليها، أبرزها بلدة دبين.
أمام هذا التناقض، ظهر الطرح الأميركي باعتباره حلاً وسطاً.
فلا وجود لانسحاب إسرائيلي شامل وغير مشروط كما يطالب لبنان، ولا استمرار للاحتلال بذريعة غياب الضمانات الأمنية كما ترغب بعض الأوساط الإسرائيلية، بل صيغة انتقالية تقوم على اختبار قدرة الدولة اللبنانية نفسها عبر مناطق محددة تنسحب منها إسرائيل تدريجاً، ويتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها بصورة حصرية، على أن يتم تقييم النتائج قبل الانتقال إلى مراحل أوسع وبصورة تدريجية.
وتعززت هذه الفكرة خلال الاجتماع العسكري الذي جمع ضباطاً لبنانيين وإسرائيليين وأميركيين في الـ29 من مايو (أيار) الماضي في وزارة الحرب الأميركية، حيث طُرحت آليات عملية لتنفيذ هذه المقاربة على الأرض، في محاولة للانتقال من مرحلة البيانات السياسية إلى مرحلة الاختبار الفعلي للقدرة التنفيذية.
بالمفهوم العسكري العام" المنطقة النموذجية" أو" المنطقة التجريبية" هي منطقة تُستخدم لاختبار أو تجربة أسلحة أو تكتيكات أو معدات أو مفاهيم عملياتية جديدة قبل اعتمادها على نطاق واسع، أي بقعة جغرافية تُستخدم كمرجع أو نموذج لدراسة العمليات العسكرية والتخطيط لها، بحيث تمثل الخصائص الأساسية لمنطقة العمليات الحقيقية أو المتوقعة.
وفي بعض الأدبيات العسكرية الحديثة، قد يُستخدم المصطلح للإشارة إلى منطقة مرجعية تُبنى عليها" نماذج" لسلوك جهة أو جيش أو أنماط عمليات.
أما جوهر المناطق التجريبية في لبنان فلا يتعلق بالجغرافيا بقدر ما يتعلق بمفهوم السيادة نفسه.
فالهدف الأساس من هذه المناطق هو اعتبار نزع سلاح" حزب الله" وسائر المجموعات المسلحة قضية سيادية لبنانية تتولاها الدولة اللبنانية بنفسها عبر الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية، لا أن تُفرض من الخارج أو أن تبقى رهينة التوازنات العسكرية القائمة.
وبحسب التصور المطروح، تنسحب إسرائيل من منطقة محددة، فيدخل الجيش اللبناني إليها ويتولى بصورة كاملة ضبط الأمن ومنع أي وجود عسكري خارج إطار الدولة ومصادرة أي بنية مسلحة أو مراكز عمليات أو مستودعات أسلحة.
وفي حال نجاح التجربة، يجري توسيعها تدريجاً لتشمل مناطق إضافية.
وتشير مصادر عسكرية لبنانية إلى أن ما جرى في منطقة دبين الجنوبية خلال الساعات الأولى التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق قد يكون بمثابة نموذج أولي لهذه المقاربة، حيث تزامن انسحاب إسرائيلي محدود مع انتشار للجيش اللبناني، في خطوة وصفت بأنها أشبه بجس نبض للآلية الجديدة واختبار أولي لقدرة المؤسسة العسكرية على الإمساك بالأرض.
في واشنطن، لا يُنظر إلى المناطق التجريبية باعتبارها مجرد ترتيبات أمنية، بل باعتبارها آلية لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
وفي هذا السياق، يعد الباحث والمحلل السياسي وليد فارس أن أي اتفاق يقوم فقط على الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها في جنوب لبنان، من دون توفير ضمانات أمنية مباشرة وملزمة من الولايات المتحدة، سيعيد إنتاج المعادلات نفسها التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية.
ويشير فارس إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن مجرد انسحاب" حزب الله" إلى شمال الليطاني أو استبداله بانتشار وحدات من الجيش اللبناني لا يكفي لضمان الاستقرار، متسائلاً عمن يضمن عدم عودة الحزب إلى ممارسة نشاطه العسكري والميداني تحت عناوين مختلفة كما حصل، بحسب رأيه، في محطات سابقة.
ويطرح تساؤلات حول قدرة الوحدات العسكرية التقليدية على منع إعادة تموضع الحزب، محذراً من أخطار الاختراقات التي قد تؤثر على فعالية أي انتشار أمني جديد.
ومن هذا المنطلق، يلفت فارس إلى أن النقاش الدائر في واشنطن لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي، بل يتناول أيضاً آلية تنفيذية تضمن منع عودة البنية العسكرية للحزب.
ويشدد على أن الحل لا يكمن فقط في انسحاب" حزب الله" من بعض المناطق، بل في تفكيك قدراته العسكرية والتنظيمية بصورة تدريجية وممنهجة، معتبراً أن أي تسوية لا تعالج هذه المسألة ستبقى معرضة للانهيار.
وفي هذا السياق، يتحدث فارس عن طرح يقوم على إنشاء وحدات قتالية خاصة ضمن الجيش اللبناني، يتم اختيار عناصرها وتدريبها وتجهيزها بإشراف أميركي مباشر، على أن ترتبط عملياتياً بقيادة عسكرية أميركية متخصصة.
وبرأيه، فإن هذه القوة تشكل الضمانة الوحيدة القادرة على تولي المهام الأمنية الحساسة في المناطق التي يجري إخلاؤها من وجود" حزب الله"، بما يمنع عودة الحزب إليها ويمنح المجتمع الدولي وإسرائيل والدولة اللبنانية مستوى أعلى من الثقة بعملية التنفيذ.
ويكشف فارس أن الآلية المطروحة تقوم على اعتماد مناطق تجريبية تدخل إليها هذه الوحدات الخاصة أولاً بعد سحب عناصر الحزب وبنيته العسكرية بصورة كاملة، ثم تتولى القوة الجديدة تثبيت السيطرة الأمنية ومنع إعادة الانتشار.
وفي حال نجاح التجربة، يجري توسيعها تدريجاً لتشمل مناطق إضافية وصولاً إلى تغطية كامل الجنوب اللبناني ومناطق أخرى من البلاد.
ويضيف أن هذه المقاربة تهدف إلى اختبار قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الفعلية على الأرض بعيداً من الصيغ التقليدية التي اعتمدت في الماضي ولم تؤد إلى نتائج مستدامة.
فالمطلوب، بحسب فارس، ليس فقط استبدال مواقع إسرائيلية أو مواقع تابعة لـ" حزب الله" بوحدات عسكرية عادية، بل إنشاء قوة متخصصة قادرة على تنفيذ مهمة نزع السلاح ومنع إعادة تنظيم الحزب أو إعادة بناء شبكاته العسكرية.
ولا يحصر فارس هذه الآلية بجنوب لبنان فقط، بل يرى أن نجاحها يتطلب توسيع نطاقها ليشمل مناطق أخرى خارج الجنوب، بما فيها بعض مناطق جبل لبنان ومحيط بيروت، لمنع إعادة تكوين البنية العسكرية للحزب في مناطق أخرى فيما يجري تفكيكها في الجنوب.
ويعتبر أن التطورات الميدانية الأخيرة وما رافقها من ضغوط دولية لوقف التقدم الإسرائيلي تزامنت مع اقتراب القوات الإسرائيلية من مناطق استراتيجية يمكن أن تؤدي إلى فصل خطوط التواصل بين الجنوب والبقاع، الأمر الذي دفع مختلف الأطراف إلى البحث عن بديل أمني قادر على منع توسع العمليات العسكرية.
ومن هنا، يرى أن مشروع الوحدات الخاصة اللبنانية المدعومة أميركياً يشكل، في نظر داعميه، المخرج العملي الوحيد الذي يحقق في الوقت نفسه الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الدولة اللبنانية ومنع عودة" حزب الله" إلى المواقع التي انسحب منها.
في المقابل، لا يقتصر النقاش على الجانب العسكري وحده.
فالعميد المتقاعد خليل الحلو يرى أن جوهر مفهوم" المنطقة النموذجية" يبدأ من الانسحاب الإسرائيلي الكامل منها، على أن تسبق عودة الأهالي عملية إعادة إعمار شاملة تعيد تأهيل البنية التحتية والمرافق العامة.
وبعد ذلك تتولى الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الرسمية إدارة المنطقة بالكامل، فيما يتسلم الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية المباشرة.
ويشرح أن المقصود ليس مجرد ضبط أمني، وإنما إنشاء مساحة تتكفل فيها الدولة بكل ما يحتاجه السكان من خدمات اجتماعية واقتصادية وإدارية، بحيث تصبح حياة المواطنين مرتبطة بالمؤسسات الرسمية وحدها.
ووفق هذا التصور تتوافر المدارس ومراكز التدريب المهني والمشاريع الزراعية والتجارية وفرص العمل ضمن إطار تديره السلطة اللبنانية بصورة كاملة.
ومن الناحية العسكرية، ينظر الحلو إلى المشروع باعتباره اختباراً جديداً لقدرة المؤسسة العسكرية على إدارة منطقة حدودية مستقرة، مستعيداً تجربة جنوب الليطاني التي شهدت في مراحل سابقة حضوراً أمنياً للدولة قبل أن تتعرض للاهتزاز مع عودة السلاح وانتشار مراكز نفوذ موازية.
أما جغرافياً، فلا توجد حتى الآن منطقة محددة بصورة رسمية، إلا أن مدينة بنت جبيل تبرز كأحد الخيارات المطروحة نظراً إلى رمزيتها وموقعها الحدودي، فيما تبدو الناقورة خياراً أكثر سهولة من الناحية العملية بسبب مساحتها الأصغر وطبيعتها الجغرافية وموقعها الساحلي.
وعند البحث عن تجارب مشابهة حول العالم، يرى الحلو أن المقارنة ليست سهلة، لأن الحديث يدور عن مساحة محدودة داخل دولة قائمة وليس عن إعادة بناء دول كاملة بعد حروب كبرى.
ومع ذلك يستحضر تجربتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خضعت الدولتان لتحولات عميقة شملت إعادة صياغة البنية السياسية والأمنية والمؤسساتية، مع التشديد على أن الحالة اللبنانية تختلف جذرياً عن تلك التجارب.
ويتقاطع هذا التصور مع ما يطرحه المحلل الأمني الأميركي وضابط الاستخبارات السابق في سلاح مشاة البحرية الأميركية هال كيمفر، الذي يرى أن العنصر الأكثر أهمية في التفاهم الجديد بين لبنان وإسرائيل لا يكمن فقط في تمديد وقف إطلاق النار، بل في الآلية التنفيذية التي تم الاتفاق عليها لإنشاء" المناطق التجريبية".
ويعتبر كيمفر أن هذه المناطق ستخضع لسيطرة حصرية للجيش اللبناني مع استبعاد جميع الجهات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمها" حزب الله"، مشيراً إلى أن نجاح هذه التجربة سيشكل الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الأمنية والعسكرية على الأرض.
ويرى أن الولايات المتحدة تؤدي دوراً محورياً في هذه العملية، ليس فقط من خلال رعاية المفاوضات الثلاثية بين لبنان وإسرائيل، بل أيضاً عبر دعم الجيش اللبناني ومواكبة عملية الانتشار الميداني.
إلا أنه يشدد على أن التحدي الأساس لا يتعلق بالإرادة السياسية للحكومة اللبنانية بقدر ما يتعلق بالقدرات العملانية والعسكرية اللازمة لمنع عودة الحزب إلى المناطق التي سيتم إخلاؤها.
ويشير إلى أن التجارب السابقة في جنوب لبنان أظهرت أن وجود الجيش اللبناني والقوات الدولية لم يكن كافياً دائماً لمنع الحزب من إعادة استخدام بعض المناطق كنقاط انطلاق لعمليات عسكرية ضد إسرائيل، معتبراً أن نجاح المناطق التجريبية يتطلب آليات رقابة وتنسيق وضمانات متبادلة تمنع أي إعادة تسلل أو إعادة تموضع للعناصر المسلحة.
في المحصلة، يبدو أن النقاش لم يعد يدور حول وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل حول ما إذا كانت" المناطق التجريبية" ستتحول إلى بداية مسار جديد يعيد رسم العلاقة بين الدولة والسلاح والسيادة في لبنان.
فهذه المناطق ليست مجرد ترتيبات أمنية موقتة، بل مشروع سياسي وأمني كامل لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالأرض وفرض القانون واحتكار القوة الشرعية.
ومن هنا تحديداً تأتي أهمية المرحلة الحالية، لأن نجاح هذا النموذج قد يفتح الباب أمام ترتيبات أوسع بكثير من مجرد وقف إطلاق النار، وأمام مرحلة جديدة بالكامل في تاريخ لبنان الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك