على مدى عقود، لم تدر سوريا كدولة حديثة تقوم على المؤسسات والمواطنة وسيادة القانون، بل كنظام مغلق احتكر السلطة والثروة والموارد، ضمن دائرة ضيقة مرتبطة بنظام الأسد، فتحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لإدارة النفوذ، وتوزيع الامتيازات بدل خدمة المجتمع.
وبعد سقوط النظام، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بزواله، بل بكيفية إدارة سوريا الجديدة: هل ستنتقل إلى دولة مؤسسات، أم سيُعاد إنتاج النموذج نفسه بأسماء مختلفة؟يشرح الاقتصادي دارون عجم أوغلو مع الباحث جيمس روبنسون في كتاب «لماذا تفشل الأمم» أن الفرق بين الدول الناجحة والفاشلة لا يعود إلى الثقافة أو الموارد، بل إلى طبيعة المؤسسات السياسية والاقتصادية.
ويقسمان المؤسسات إلى نوعين:الأول: المؤسسات الاستخلاصية، وهي التي تخدم نخبة ضيقة تحتكر السلطة والثروة، وتستخدم الدولة لاستخلاص موارد المجتمع لصالحها.
في هذا النموذج تتركز الصلاحيات في مركز ضيق، وتُستخدم القوانين لحماية النفوذ، وتُمنح الامتيازات على أساس الولاء لا الكفاءة، فيصبح الاقتصاد قائما على العلاقات السياسية لا الإنتاج، مما يخنق الاستثمار والإبداع ويجعل النجاح مرتبطا بالقرب من أصحاب النفوذ.
مستقبل الاستقرار في سوريا لن يتحدد فقط بشكل السلطة السياسية، بل بقدرة الدولة المقبلة على بناء نموذج اقتصادي عادل يشعر فيه المواطن بأن الدولة تخفف أعباءهالثاني: المؤسسات الشاملة، وهي التي تسمح بالمشاركة الواسعة وتحمي الملكية الفردية وتكافؤ الفرص، وتخضع السلطة للمحاسبة، هنا تصبح الحكومة جهازا إداريا لا مالكًا للدولة، وتُربط الترقية بالكفاءة، ويحتمي المواطن بالقانون لا بالواسطة، فتُبنى الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويؤكد عجم أوغلو، أن نهضة الدول لا تعتمد على وجود قائد صالح فقط، بل على وجود مؤسسات تمنع تحول السلطة إلى احتكار دائم.
وتبرز تجربة الكوريتين مثالا واضحا على أثر المؤسسات.
فبعد الحرب الكورية انطلقت كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية من ظروف متقاربة، لكن الشمال أقام نظاما شديد المركزية يحتكر الاقتصاد والسياسة والإعلام، فدخل المجتمع في دوائر الفقر والعزلة، أما الجنوب، فاتجه تدريجيا إلى بناء مؤسسات أكثر انفتاحا، وربط التنمية بالإنتاج والتعليم والتكنولوجيا، فتحول إلى قوة اقتصادية كبرى، لم يكن الفرق في الشعب أو الثقافة، بل في طبيعة النظام والمؤسسات.
هذا النموذج الاستخلاصي كان حاضرا بوضوح في سوريا، حيث تركزت العقود والموارد والوظائف الحساسة، ضمن شبكات مرتبطة بالسلطة الأمنية والسياسية، ومع الوقت أصبح الاقتصاد اقتصاد امتيازات لا اقتصاد إنتاج، واضطر المواطن للتكيف مع بيئة تحكمها الرشاوى والوساطات للحصول على أبسط الحقوق والخدمات.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الانتقالية؛ فإسقاط النظام لا يعني بالضرورة إسقاط طريقة الحكم، إذ يمكن إعادة إنتاج البنية نفسها، إذا بقيت الدولة محتكرة مركزيا وخاضعة لشبكات النفوذ بدل المؤسسات المستقلة.
وفي المقابل، تقدم تجربة جويس باندا في مالاوي مثالا مختلفا لفكرة السلطة، باعتبارها خدمة عامة، فعندما تولت الرئاسة عام 2012 في ظل أزمة اقتصادية حادة، اتخذت إجراءات لخفض الإنفاق الحكومي، فخفضت رواتب كبار المسؤولين وباعت الطائرة الرئاسية، وبعض مظاهر الترف، محاولة توجيه الموارد نحو الخدمات الاجتماعية.
ورغم محدودية التجربة، فإن أهميتها كانت في تغيير فلسفة الحكم: من اعتبار الدولة ملكا للسلطة إلى اعتبارها خدمة للمجتمع.
واليوم تقف سوريا أمام خيار تاريخي بين نموذجين: الأول يرى الدولة وسيلة لاحتكار الثروة والنفوذ، والثاني يعتبرها ملكا للمواطنين، والحكومة فيه جهازا إداريا يخضع للمحاسبة والرقابة، والفرق بين النموذجين ليس نظريا، بل هو الفرق بين دولة تعيد إنتاج الأزمات والفساد، ودولة قادرة على بناء الاستقرار والتنمية والثقة.
وتؤكد تجارب الدول، أن الشعوب لا تصنع مصائرها بالموارد وحدها، أو بالشعارات أو بالأشخاص، بل بطبيعة المؤسسات التي تنظم العلاقة بين السلطة والثروة والفرص، لذلك لن تخرج سوريا من أزمتها بمجرد تغيير الحكام إذا بقيت طريقة الحكم قائمة على احتكار القرار والموارد.
وفي هذا السياق، تظهر مؤشرات القلق داخل المجتمع السوري، من خلال ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، كما أن أي زيادة في أسعار المحروقات تنعكس مباشرة على الغذاء والدواء والنقل والخدمات، ما يزيد معاناة مجتمع يعاني أصلا من الفقر والبطالة.
فالاقتصادات المنهكة لا يمكن إدارتها بعقلية الجباية والحلول المؤقتة، بل تحتاج إلى سياسات تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتشجع الإنتاج، وتضبط الاحتكار، وتحمي الفئات الأضعف، ولهذا فإن مستقبل الاستقرار في سوريا لن يتحدد فقط بشكل السلطة السياسية، بل بقدرة الدولة المقبلة على بناء نموذج اقتصادي عادل وشفاف يشعر فيه المواطن بأن الدولة تخفف أعباءه بدل أن تزيدها.
وفي الدول ذات المؤسسات الضعيفة، يكثر الحديث عن «الشخص المناسب في المكان المناسب»، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الأنظمة القادرة على ضبط الأداء العام، أما الدول القوية فتعتمد على مؤسسات وآليات رقابة ومحاسبة تكتشف الأخطاء وتصححها سريعا.
لقد جاءت الثورة السورية بمطلب أساسي هو تفكيك بنية الفساد التي حولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لتوزيع الامتيازات عبر شبكات مغلقة، والانتقال إلى نظام يقوم على المشاركة الواسعة وتوجيه الموارد نحو التنمية والخدمة العامة، لكن خلال سنوات الثورة ظهرت أنماط جديدة لإدارة النفوذ في مناطق وسلطات مختلفة أعادت إنتاج منطق «الغنيمة»، بأشكال متعددة، مما يبرز خطورة استمرار الثقافة نفسها حتى بعد سقوط النظام.
فاستراتيجية حكم الأسد لم تكن قائمة على سؤال «كيف تُحكم سوريا؟ » بل على «من يحكم سوريا؟ »، حيث جرى تركيز السلطات والثروات في يد مجموعة ضيقة، وتحولت الحكومة إلى أداة لإعادة تدوير النفوذ، بينما بقي المواطن مهمشا يعاني الطوابير والأزمات.
في المقابل، حملت الثورة فكرة مختلفة تقوم على دولة المواطنة، وتقليص دور الحكومة وتحويلها إلى جهاز إداري موظف لدى الدولة، بينما تبقى الدولة ملكا للمواطنين، والحكومة مجرد تفويض مؤقت صادر عن الشعب عبر الدستور والقانون.
وبعد سنوات طويلة من القهر والصراع، لم يعد السوريون يريدون فقط تغيير الوجوه، بل تغيير جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، من علاقة قائمة على الغنائم والامتيازات إلى علاقة تقوم على الواجب والمسؤولية.
فالمعركة الحقيقية لم تعد «من يحكم»، بل «كيف يحكم»، وهل تكون الدولة غنيمة تتصارع عليها القوى المختلفة، أم مؤسسة لخدمة الناس والبلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك