في مشهد يتكرر بصورة مقلقة في الغرب، يقف المرء حائراً أمام صور مراهقين - لم تتجاوز أعمارهم مرحلة التكوين النفسي والوجداني - وهم يخططون وينفذون هجمات دامية ضد مراكز إسلامية ومصلّين أبرياء.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ليس فقط: لماذا يكرهوننا؟ بل: من يصنع هذه الكراهية في عقول هؤلاء الصغار؟يحاول هذا المقال كشف الستار عن بنية تحتية معقدة من المصالح السياسية، والشبكات الإعلامية، ومراكز الأبحاث المزيفة، والخوارزميات الرقمية، التي تحولت معا إلى «صناعة كراهية» منظمة.
لا يقتصر هدف هذه الصناعة على تشويه صورة الإسلام والمسلمين فحسب، بل يتعداه إلى إنتاج جيل جديد من المنفذين يصدقون أن قتل الآخرين هو تضحية وبطولة.
ومن خلال تحليل هجوم سان دييغو كنموذج، ثم تتبع جذور الخطاب من أيام جورج بوش «الابن» إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في عام 2026، يخلص المقال إلى أن الحل لا يكمن في ملاحقة المنفذين فقط، وإنما ايضاً في تجفيف منابع هذه الإمبراطورية المالية والسياسية.
الهجوم الدامي على المركز الإسلامي بسان دييغو بأمريكا، الذي قاده مراهقان أمريكيان، أثار من جديد الجدل حول كيف يمكن ولماذا يقوم مراهقان بالهجوم على مركز إسلامي يضم مدرسة بها أطفال؟ وكيف ولماذا يخطط مراهقان لقتل أناس لا يعرفونهم ولم يرتكبوا أي أذى بحقهم؟ ولماذا هذا العداء المتصاعد للمسلمين؟ ومن يقف وراء حملات التشهير والكراهية ضدهم؟فكرة تخطيط مراهقين لإنهاء حياة أطفال وأشخاص لا يعرفونهم تصدم الفطرة الإنسانية، لكن تأملها يقود إلى ظاهرة أكثر تعقيدا، وهي ظاهرة «الإسلاموفوبيا» التي تحولت عبر السنين من مفهوم عاطفي أو موقف أيديولوجي إلى شبكة معقدة من المصالح، تجد أطروحاتها صدى لها وسط فئات اجتماعية تمجد ثقافتها العنف وكره الآخر.
في 20 سبتمبر 2001، وقف الرئيس الأمريكي جورج بوش «الابن» أمام الكونغرس، ليطرح السؤال الذي كان يدور في أذهان الكثير من الأمريكيين آنذاك، ويجيب عنه بنفسه صياغةً وتوجيهاً للرأي العام: لماذا يكرهوننا؟لم تحوِ الإجابة تقييماً لسياسات أمريكا في الشرق الأوسط، وانحيازها لإسرائيل، وإذلالها للعرب والمسلمين، وإنما كانت: «إنهم يكرهون ما نراه هنا في هذه القاعة.
يكرهون الحكومة المُنتخبة ديمقراطياً.
قادتهم عيّنوا أنفسهم بأنفسهم.
إنهم يكرهون حرياتنا.
حريتنا في التدين، وحريتنا في التعبير، وحريتنا في التصويت والتجمع، والاختلاف مع بعضنا البعض».
اختزل الأمر في أن الآخر يكره «الحرية والديمقراطية» كقيمة بحد ذاتها.
ومهد هذا التبسيط الثقافي والفكري الطريق لإقناع الشارع الأمريكي بأمرين، الأول: ثنائية «نحن الخير وهم الشر»، والثاني: الحق في شن حروب استباقية عليهم.
ومنذ تلك اللحظة، اكتسبت كراهية المسلمين شرعية كانت تتوق للحصول عليها.
لم تكتسب شرعية فقط، وإنما تحولت إلى صناعة تدار من قِبل شبكة ممتدة ومعقدة، تتشكل من مؤسسات فكرية، ومراكز ضغط، ومنظمات قانونية، ومنصات إعلامية تعمل بالتنسيق لتوجيه الرأي العام وصناعة السياسات، وتسهم فيها تيارات اليمين المتطرف والشعبوي، وتغذيها صناعة الإعلام والترفيه ومنصات التواصل الاجتماعي، لترسيخ صورة كريهة ونمطية للمسلم، وتخلق منه العدو المثالي.
وكما ورد في تقارير مجلس العلاقات الأمريكية - الإسلامية (CAIR)، وتقارير معهد دراسات التهميش والانتماء بجامعة بيركلي، تتوزع هذه الشبكة على منظمات عدة، يكمل بعضها بعضاً:• مراكز الفكر والأبحاث المزيفة: التي تدعي الطابع الأكاديمي والبحثي، لكن وظيفتها الأساسية هي إنتاج تقارير وإحصاءات «مفبركة» أو مجتزأة، لتصوير الإسلام كأيديولوجيا سياسية معادية للحضارة الحديثة وليس كدين.
• مؤسسات قانونية وحقوقية: مكاتب محاماة ومراكز ضغط قانوني تتدخل في القضايا، لشرعنة القوانين التمييزية، مثل الدفاع عن حظر السفر من الدول المسلمة.
• منظمات المراقبة والتحريض الرقمي: منصات ومواقع إلكترونية متفرغة لمراقبة وتتبع الشخصيات المسلمة، واجتزاء تصريحاتهم، وإعادة نشرها في سياقات تحريضية، لصناعة حملات تشويه رقمية واسعة.
تتحرك هذه المنظمات عبر استراتيجيات مدروسة للتغلغل في وعي المجتمعات:• صناعة الخوف والترهيب: نشر نظريات المؤامرة، مثل نظرية «الاستبدال العظيم» أو«الأسلمة الزاحفة»، لإقناع المجتمعات الغربية بأن الديموغرافيا المسلمة تشكل تهديداً للهوية الوطنية وثقافة البلاد.
• تغذية السياسيين بالبروباغندا: توفير الحجج والأفكار للأحزاب اليمينية والشعبوية لاستخدامها في الخطابات الانتخابية من أجل حشد الأصوات عبر إثارة الذعر.
• استهداف التعليم والمناهج: الضغط لتعديل المناهج الدراسية أو منع البرامج التي تدعو إلى التعايش ومحاربة العنصرية، وتصوير برامج التوعية بـ«الإسلاموفوبيا» على أنها «غسل دماغ» لمصلحة المسلمين.
• تجنيد الجيوش الرقمية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي: الاستخدام المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج آلاف الإعلانات والمنشورات شهرياً، والاعتماد على مؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، لضخ محتوى معادٍ للمسلمين.
وهكذا، لم تبقَ سوى مسألة وقت قبل أن يتلقف منتجات هذه الصناعة من لا يشك في صحتها، وتتحول معه إلى عقيدة راسخة تستحق التضحية حتى بالنفس من أجلها، وما هجوم سان دييغو إلا تجسيد صارخ لذلك، حيث كان المنفذون مراهقين.
المراهقة مرحلة بحث عن الهوية والانتماء، والجماعات المتطرفة، سواء كانت إرهابية أو من جماعات تفوق العرق الأبيض، تفهم هذه السيكولوجية جيداً، وتستغلها عبر آليات محددة، مثل:• العزل وغسل الدماغ الرقمي: غالباً ما يبدأ الأمر بمراهق يشعر بالتهميش أو العزلة في مجتمعه.
يعثر عبر الإنترنت (في غرف الدردشة المغلقة، أو المنتديات المظلمة، أو منصات الألعاب) على مجتمعات افتراضية تمنحه شعوراً زائفاً بالأهمية والقبول.
• شيطنة الآخر: لكي يتقبل العقل البشري فكرة قتل شخص بريء، يجب أولاً تجريد الخصم من إنسانيته.
تم تغذية هؤلاء المراهقين ببروباغندا مستمرة تصوّر المسلمين لا كبشر، بل كـ«تهديد وجودي».
عندما يقتنع المراهق بهذا الوهم، فإنه لا يعود يرى الأطفال في المدرسة كأطفال، بل يراهم «مشاريع أعداء مستقبليين».
• عقدة البطل المخلص: يتم إقناع المراهق بأن قيامه بهذا العمل العنيف ليس جريمة، بل هو «تضحية وبطولة»، لحماية مجتمعه أو عرقه، مما يمنح حياته الفارغة -بنظره- معنىً وهدفاً كبيراً.
• خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي: الخطاب المحرض على الكراهية والخوف ينتشر أسرع بسبع مرات من الخطاب العقلاني.
الخوارزميات تدفع بهذه الفيديوهات والمنشورات المتطرفة إلى واجهة حسابات الشباب، لأنها تجلب مشاهدات أعلى.
إذا كانت «الإسلاموفوبيا» لم تعد مجرد تحيز فردي أو موقف أيديولوجي عابر، بل صناعة متكاملة، تمولها مؤسسات وتديرها شبكات وتغذيها خوارزميات، فإن السؤال الأكثر إيلاماً يبقى: لماذا لا تزال المجتمعات الغربية متأخرة في الاعتراف بهذا الحجم من التنظيم؟لقد أثبت هجوم سان دييغو أن ضحية هذه الصناعة ليس المسلمون فقط، بل أبناء تلك المجتمعات أنفسهم الذين يُحوّلون إلى قنابل بشرية مجردة من الإنسانية، مقتنعين بأنهم أبطال.
لذا، فإن مواجهة هذا الخطر تتطلب ثلاث خطوات متكاملة:• تفكيك شبكات التمويل الخفي لمراكز الأبحاث المزيفة ومنظمات التحريض الرقمي.
• فرض رقابة أخلاقية على خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تربي اليافعين على الكراهية باسم التفاعل.
• الخطوة الثالثة، والأهم، بناء رواية مضادة قوية في المناهج التعليمية والإعلام والترفيه، تُعيد الاعتبار للإنسانية المشتركة قبل أي دين أو عرق.
إن معركة كسر دائرة الكراهية لن تنتصر باعتقال المنفذين، بل حين تدرك المجتمعات الغربية أن الدفاع عن المسلمين اليوم هو دفاع عن أبنائها غداً.
وإلا، فلتستعد لقراءة خبر جديد عن آخرين، في مدينة أخرى، يحملون البروباغندا نفسها والأسلحة نفسها، ويظل السؤال العالق نفسه: لماذا لم نمنع هذا قبل أن يحدث؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك