رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة، لا يزال عيد الأضحى يحافظ على رمزيته باعتباره ملتقى العائلة، ومناسبة للتضامن والفرح الجماعي.
تتغيّر ملامح الحياة في تونس مع اقتراب عيد الأضحى، وتدخل العائلات في حالة استنفار اجتماعي، لتختلط الطقوس الدينية بالعادات الشعبية المتوارثة، وتتحول البيوت والأسواق والأحياء إلى فضاءات تعجّ بالحركة والاستعدادات.
ولا تقتصر تحضيرات عيد الأضحى على اقتناء الأضحية، بل تشمل سلسلة طويلة من العادات المتوارثة التي تسبق العيد بأيام، وتبدأ بشراء مستلزمات الشواء وإعداد المشروبات، ومواد تحضير حلويات العيد، إلى جانب تنظيف المنازل وتزيينها، وصولاً إلى الاستعداد للّمة العائلية في صباح أول أيام العيد، وبعدها زيارة الأقارب والمقابر.
في صبيحة يوم العيد، تنطلق التكبيرات والأذكار من المساجد والبيوت، وتعبق الأجواء بروائح البخور والمخبوزات التي يختلف شكلها وحجمها وطريقة إعدادها بين منطقة وأخرى.
وبعد صلاة العيد، ينطلق الناس إلى بيوتهم لذبح أضاحيهم، ويشارك جميع أفراد العائلة في طقوس الذبح التي تُعتبر من أهم الطقوس الاجتماعية للعيد.
تقول التونسية أمينة بن عمر، وهي موظفة وأم لطفلين، لـ" العربي الجديد"، إن" عيد الأضحى، أو العيد الكبير كما نطلق عليه محلياً، مناسبة استثنائية، مهما كانت الظروف، والعائلات التونسية تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من طقوسه وعاداته حتى يشعر الأطفال بالفرحة.
يربط الأطفال العيد بالأضحية، واللعب مع أترابهم، وأكثر ما يشغلنا هذا العام هو تزامن عيد الأضحى مع الامتحانات، وأجد صعوبة في التوفيق بين استعدادات العيد، ومساعدة طفلي على الاستعداد للامتحانات".
بدوره، يقول سامي الورتاني، وهو بائع ملابس جاهزة، إن" قصر فترة إجازة العيد، وتزامنها مع مواعيد الامتحانات، قد يحرم العديد من العائلات من الجمعة الأسرية السنوية"، معتبراً أن" عيد الأضحى يحظى بقداسة لدى الأسر الموسعة في تونس، ولا سيما في المدن الداخلية والقرى والأرياف، فللعيد خارج المدن الكبرى طعم آخر، حيث تكون الاحتفالات أكثر بساطة، لكنها مليئة بمعاني التضامن والتكاتف".
يقول عبد السلام الشابي (71 سنة)، إن" العيد في الماضي كان أكثر بساطة، لكن أكثر دفئاً، وكانت العائلات تتشارك التحضيرات بشكل جماعي، من ذبح الأضحية وتقطيعها، وصولاً إلى تحضير لوازم الأطباق الرئيسية التي تطبخ خلال أيام العيد، على غرار ولائم الشواء وتحضير العصبان والقديد.
لا يزال ذبح الأضحية في صباح يوم العيد يمثل لحظة مركزية داخل الأسرة التونسية، ليس فقط من الجانب الديني، بل باعتباره طقساً اجتماعياً يجمع العائلة والجيران، وكان الأطفال في السابق يرافقون الكبار في كل المراحل، ويتعلمون تفاصيل العادات المرتبطة بالأضحية، في حين بدأت بعض هذه التفاصيل تختفي مع تغير أنماط العيش داخل المدن".
وتسجل تونس ذروة حركة النقل بين المدن خلال فترة العيد، إذ يفضل القاطنون بعيداً عن مواطنهم الأصلية العودة إلى الجذور لقضاء إجازة العيد مع الأسرة الموسعة، ما يؤدي إلى اكتظاظ الطرقات ووسائل النقل.
كما لا يزال كثير من التونسيين يحافظون على عادة زيارة القبور، سواء في صباح يوم العيد، أو في الأيام التي تسبقه.
تقول سنية القابسي، وهي أستاذة تعليم ثانوي: " زيارة قبر والدتي جزء أساسي من طقوس العيد، فهذه الزيارة تمنح المناسبة بعداً روحياً وعاطفياً يتجاوز مظاهر الاحتفال.
العيد ليس مجرد مناسبة للفرح، بل أيضاً فرصة لاستحضار الغائبين، ولمّ شمل الأقارب الذين فرقتهم ظروف العمل أو الهجرة أو ضغوط الحياة اليومية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك