مع حلول عيد الأضحى من كل عام، تعود إلى منازل المصريين طقوس وعادات ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، حافظوا عليها عبر آلاف السنين رغم تغير الأزمنة وتطور أنماط الحياة.
فالعيد في مصر لا يرتبط فقط بالشعائر الدينية أو التجمعات العائلية، بل يمتد ليشمل عادات خاصة في إعداد الطعام وطرق الطهي وتقديم الوجبات، وهي عادات توارثتها الأجيال منذ الحضارة المصرية القديمة وما زالت حاضرة بقوة حتى اليوم.
إذ يحرص كثير من المصريين خلال أيام العيد على إعداد أطعمة بعينها ارتبطت بالمناسبة، خاصة اللحوم وطرق طهيها المختلفة، سواء في المنازل أو التجمعات العائلية، حيث تتحول المطابخ إلى مساحة لإحياء وصفات تقليدية تناقلتها الأسر عبر الزمن.
ورغم انتشار الوجبات الحديثة وأساليب الطهي الجديدة، ما تزال الكثير من الأسر تتمسك بالطرق القديمة في تجهيز الطعام، معتبرة أن نكهة العيد الحقيقية ترتبط بالعادات الموروثة التي تمنح المناسبة طابعها الخاص.
وفي السياق، قالت الدكتورة منال عز الدين، الباحثة بمعهد تكنولوجيا التغذية، في تصريحات للعربية.
نت/ الحدث.
نت" إن عيد الأضحى يرتبط لدى المصريين باللحوم والوجبات التقليدية، مؤكدة أن المائدة المصرية في العيد لا تكاد تخلو من طبق الفتة، الذي تعود جذوره إلى العصر الفرعوني، بحسب ما تم العثور عليه من نقوش ورسومات داخل المعابد القديمة، خاصة معبد سوبك.
وصفة تعود لأكثر من 4500 عامكما أوضحت أن النقوش القديمة كشفت عن وصفة تعود لأكثر من 4500 عام، لكاهنة تدعى" كارة"، قامت بذبح خروف وحشوه بالبرغل، وأضافت إليه قطعًا من الخبز المصنوع آنذاك من الشعير، ثم سكبت بداخله مرق الخروف مع الثوم والبصل، قبل توزيعه كقربان للآلهة، معتبرة أن تلك الوصفة تعد من أقدم أشكال الفتة المصرية المعروفة تاريخيًا.
وأضافت الباحثة أن شكل الفتة الحالي تطور خلال عصر الدولة الفاطمية، حيث ارتبط اسمها بفكرة" تفتيت الخبز"، ثم أضيفت إليها لاحقًا طبقة الخبز المحمر، لتتحول مع الوقت إلى الطبق الرئيسي المرتبط بعيد الأضحى والأضحية لدى المصريين.
كذلك أكدت أن تناول الكبدة في صباح أول أيام العيد يعد من أقدم العادات الغذائية في مصر، موضحة أنها كانت الخيار الأسرع والأسهل في الطهي بعد الذبح مباشرة، كما أنها أول جزء يتم استخراجه من الأضحية، ولذلك اعتاد المصريون إعدادها بأشكال متنوعة مثل الكبدة الإسكندراني أو المحمرة أو المطهية بالردة، لتصبح وجبة أساسية ومحببة خلال العيد.
إلى ذلك، أشارت إلى أن طبق الكوارع أيضًا يمتلك جذورًا فرعونية قديمة، موضحة أن أحد حكام الأسرة الثالثة، وهو الملك" سخم خت"، كان معروفًا بحبه لتجربة الأطعمة الجديدة، وطلب من الطهاة ابتكار وصفات مختلفة، فتم طهي أرجل الحيوانات وتقديمها في صورة حساء، وهو الطبق الذي نال إعجابه وانتشر بعد ذلك بين المصريين.
وأضافت أن كلمة" كوارع" نفسها تعود إلى اللغة المصرية القديمة، مشيرة إلى أن هذا الطبق يتميز بقيمته الغذائية العالية، خاصة لاحتوائه على عناصر مفيدة لصحة العظام والمفاصل، ما ساعد على استمراره ضمن الأكلات الشعبية حتى الوقت الحالي.
هذا ولفتت أستاذة التغذية إلى أن الرقاق يعد من أشهر الأطباق المرتبطة بعيد الأضحى في مصر، موضحة أن أصوله تعود إلى المطبخ التركي خلال فترة الدولة العثمانية، حيث كان يُستخدم في البداية كنوع من الخبز، ثم تطور مع مرور الوقت ليصبح طبقًا رئيسيًا يُحشى باللحم ويُقدم على الموائد المصرية خلال المناسبات الكبرى.
من جانبه قال سامح الزهار، المتخصص في التاريخ، إن ارتباط المصريين بعادات الطعام خلال الأعياد يعكس امتدادًا حضاريًا وثقافيًا طويلًا، موضحًا أن كثيرًا من الأكلات الشعبية التي ما زالت حاضرة على الموائد المصرية تعود جذورها إلى الحضارة المصرية القديمة، لكنها تطورت عبر العصور المختلفة دون أن تفقد هويتها الأساسية.
وأكد الزهار في تصريحات للعربية.
نت/الحدث.
نت أن المصريين يتميزون بقدرتهم على الحفاظ على العادات المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية، خاصة ما يتعلق بالطعام والتجمعات العائلية.
وأشار إلى أن الأعياد كانت دائمًا تمثل فرصة للاحتفال الجماعي منذ العصور الفرعونية، حيث ارتبطت الولائم والذبائح والخبز بطقوس الاحتفال وتقديم القرابين.
وختم مشددا على أن العديد من الأكلات المتداولة حاليًا تحمل تأثيرات متراكمة من الحضارات التي مرت على مصر، سواء الفرعونية أو الفاطمية أو العثمانية، إلا أن المصريين أعادوا تشكيلها بطابع محلي خاص، حتى أصبحت جزءًا من الهوية الشعبية المرتبطة بعيد الأضحى والمناسبات الكبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك