كثيرًا ما نتعامل مع الحوكمة المؤسسية وكأنها الضمانة النهائية.
طالما هناك لوائح ولجان وتقارير دورية فنحن في أمان.
لكن الواقع لا يؤكد هذا الاطمئنان دائمًا.
قد تكون كل الأوراق مكتملة وكل الصلاحيات موزعة ومع ذلك يحدث خلل.
هنا لا يعود السؤال عن وجود الحوكمة بل عن فعاليتها.
هل تعمل فعلاً حين تُختبر؟ أم تبقى إطارًا متقنًا في ظاهره لكنه ضعيف في أثره؟في العادة تبدو الحوكمة واضحة في الظروف المستقرة؛ اللوائح مفصلة والاختصاصات محددة والاجتماعات منتظمة.
ولكنها تضعف حين يتعقد القرار أو تتداخل المصالح أو يصبح الوقت ضاغطاً.
هنا تبدأ الصورة في التبدل.
هنا لا يتم اختبار النصوص بحد ذاتها، بل تُختبر الإرادة في الالتزام بها.
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا يمكن تأجيلها: هل تبقى المعايير ثابتة حين يكون القرار مكلفًا؟ وماذا يحدث للمساءلة عندما تمس دائرة النفوذ؟ في هذه اللحظات يتضح إن كانت الحوكمة ممارسة حية أم مجرد إطار إداري يُستدعى عند الحاجة ويُغيب عند مواجهة قرارات تمس المصالح أو النفوذ داخل المؤسسة.
أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب الحوكمة، بل في الانتقائية في تطبيقها.
تُطبَّق اللوائح في ملفات وتُتجاهل في ملفات أخرى.
يُطلب الالتزام الصارم من موظف ويُمنح الاستثناء لآخر، ولا يحدث ذلك بصورة معلنة بل بهدوء ومبررات تبدو منطقية.
ومع تكرار ذلك لا يتغير النص بل يتغير فهمه داخل المؤسسة ومع الوقت يترسخ انطباع بأن النظام ليس واحدًا للجميع، وأن اللوائح يمكن تجاوزها أحيانًا.
والأخطر أن هذا الانطباع لا يُسجَّل في تقرير ولا يُذكر في محضر اجتماع لكنه يتحول إلى فهم ضمني داخل المؤسسة يتعامل معه الجميع كواقع، وعندها لا تكون المشكلة في نص اللائحة بل في الطريقة التي يُفهم بها الالتزام وكأنه خيار يمكن تجاوزه لا معيار يُحتكم إليه.
ومن هنا لا تتوقف المشكلة عند حدود التطبيق الانتقائي.
فحين تتكرر الاستثناءات حتى إن بدت مبررة في كل مرة يبدأ معيار العدالة في التآكل.
لا أحد يعلن أن الحوكمة تراجعت ولا تصدر قرارات تُلغى فيها اللوائح لكن الثقة في حيادية القرار تبدأ في التراجع.
يصبح الالتزام باللوائح خيارًا مرتبطًا بالظرف أو بسلطة صاحب القرار.
ومع الوقت من الصعب معرفة إن كان ما حدث استثناءً أم أصبح هو الأسلوب الجديد.
قد لا يكون السؤال عن فشل الحوكمة بحد ذاته بل عن البيئة التي تعمل فيها.
فالنصوص لا تكفي إذا لم تحط بها ثقافة تحترمها واللوائح لا تصمد إذا لم تُترجم إلى سلوك من يتولى إدارة القرار.
وقد تكون اللوائح مكتوبة بدقة لكن ما يحدث في التطبيق داخل هذه البيئة هو ما يصنع الفرق.
وعندما تضعف حيادية القرار أو تُستخدم اللوائح بشكل انتقائي أو تتحول الإجراءات إلى عبء قد لا يظهر الأثر فوراً بل يتراكم مع الوقت فتتراجع الثقة ويتباطأ الأداء وتصبح المؤسسة أقل قدرة على التكيف.
وعندها لا يعود الأمر متعلقًا بخطأ محدد، بل بإحساس عام بأن المعايير لم تعد تعمل كما كانت.
وفي هذا السياق لا تبدو الحوكمة داخل منظومة القيادة الريادية مجرد إجراء تنظيمي بل كشيء يحافظ على توازن العلاقة بين القيادة والريادة والاستدامة داخل المؤسسة.
لكن أين يظهر الفرق بين الحوكمة الحية والحوكمة الشكلية؟ يظهر ذلك في لحظة القرار الصعب؛ حين يتطلب الأمر إيقاف مشروع يحقق نتائج جيدة رغم وجود خلل في إجراءاته أو مراجعة قرار اتُّخذ تحت ضغط أو اكتشاف خطأ إداري قبل أن يتفاقم.
في هذه اللحظات لا تكون الحوكمة مجرد حماية من الخطأ بل محاولة لعدم الاستمرار فيه.
أما إذا غابت الجرأة في التطبيق فإن وجود اللوائح وحده لا يمنع أن تتحول الحوكمة إلى شكل بلا أثر.
ولا يظهر هذا الأثر مباشرة.
فبعض القرارات تبدو منضبطة في لحظتها ثم يتبين لاحقاً أنها حملت أثراً لم يكن محسوبًا بدقة.
وفي الحوكمة الحية لا ينتهي القرار بمجرد اعتماده بل تتم متابعة نتائجه ويُعاد النظر فيه عند الحاجة.
أما الاكتفاء بالشكل فيجعل القرار يبدو وكأنه انتهى فعلًا حتى لو بقي أثره مفتوحًا.
وقد يبدو الفرق بسيطاً لكنه يبدأ من اللحظة التي يُتخذ فيها القرار.
قد لا يكون السؤال هل تفشل الحوكمة أم لا، بل كيف نعرف أنها تعمل فعلًا.
فوجود اللوائح لا يكفي وكثرة الاجتماعات لا تعني انضباط القرار.
وقد يكون المعيار أبسط مما يبدو؛ هل تُطبَّق اللوائح عندما يكون الالتزام بها مكلفًا أصلًا؟ وهل يُعاد النظر في القرار حين تظهر مؤشرات خلل؟ وهنا يمكن ملاحظة إن كانت الحوكمة حاضرة في الممارسة لا في الأوراق أم أنها تبقى كذلك في ظاهرها فقط.
إذا كانت الحوكمة لا تُختبر في اللوائح ولا في كثرة الاجتماعات بل في لحظة القرار غير المريح فهل نملك فعلًا الاستعداد المؤسسي لتطبيقها عندما تتعارض مع مصلحة آنية؟ أم أننا نكتفي بالاطمئنان إلى وجودها دون أن نضعها في اختبار حقيقي؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك