منذ أمدٍ بعيد، شكّل البحر جسرًا حيويًّا بين أهل المنامة والساحل المقابل غربًا في المملكة العربية السعودية، حيث كانت الرحلات البحرية تنطلق من فرضة المنامة، التي بُنيت عام (1917)، نحو موانئ متعددة مثل فرضة الخبر (1935)، وميناء العقير الذي يعود تاريخه إلى عام (960) وتم تطويره في عهد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه عام (1922)، إضافة إلى ميناء دارين التاريخي، أقدم موانئ الخليج، والذي يمتد تاريخه لأكثر من خمسة آلاف عام.
كانت هذه الموانئ شرايين حياة، تنقل الناس والبضائع والعادات.
ومع اكتشاف النفط في الظهران عام 1938، بدأت مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية، حيث توافدت الهجرات من داخل السعودية ومن البحرين إلى مدينتي الدمام والخبر، واستقر الكثير من البحرينيين هناك، حاملين معهم إرثهم الثقافي.
في ذاكرتي العائلية، تتجسد هذه الرحلات بوضوح.
فجدي من جهة والدتي هاجر عام 1923 عبر ميناء العقير إلى الرياض ثم إلى جدة، حيث استقر وتزوج جدتي هناك.
أما جدي من جهة والدي، فقد هاجر عام 1942 إلى الخبر، واستقر في حي الصبيخة (الخبر الجنوبية).
كلاهما قضى نحبه في الأرض السعودية، ودفنا هناك، وكذلك جداتي.
لم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالاً للعادات والتقاليد.
ومن أبرز ما حمله المهاجرون معهم، طبق “البلاليط”، تلك الأكلة الشعبية الخليجية الشهيرة، المصنوعة من الشعيرية المحمصة المحلاة بالسكر والمعطرة بالهيل والزعفران وماء الورد، وتُقدم غالبًا مع قرص من البيض المقلي.
في البحرين، جرت العادة أن يكون ريوق العيد طبق البلاليط ويقدم للضيوف، في مشهد يجمع بين البساطة والدفء، كما تقدم الحلوى البحرينية الحمراء يتبعها فنجان القهوة، أما المتاي الأصفر فهو حاضر يثبت وجوده بين أطباق الضيافة البحرينية الأصيلة.
ولا يكتمل عيد البحرينيين دون “مجبوس الدجاج أو اللحم”، طبق الغداء الرئيسي الذي تتجلى فيه النكهة البحرينية للبزار (البهارات)، مع الحشو الغني من البصل المكرمل، والنخي المفلوق (الحمص الصغير)، والزبيب الممزوج بمنقوع الزعفران.
أمي حفظها الله، والتي وُلدت في جدة، ثم انتقلت إلى المحرق، وأقامت لاحقًا في الصبيخة، كانت ولا تزال حارسة هذا الموروث.
حافظت على طقوس بلاليط العيد ومجبوس الغداء، لتبقى الذكريات ممتدة بين ضفتي الخليج.
هكذا، تظل البلاليط أكثر من مجرد طبق؛ إنها حكاية عبور، وذاكرة عائلة، وجسر ثقافي يربط بين المحرق والصبيخة، حيث لا تزال النكهة تحمل طعم الانتماء.
مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك