في نحو الـ100 يوم الماضية، شهدت بنية السلطة في إيران تحولات يعتبر كثير من المحللين والمراقبين السياسيين أنها ليست مجرد تغيير استراتيجي عادي، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ هذا النظام، مرحلة لم يعد فيها حتى الحفاظ على الشكل الظاهري لمؤسسات النظام ضرورياً بالنسبة إلى جوهر السلطة.
وخلال العقود الأربعة الماضية، وعلى رغم سطوة عمل مجلس صيانة الدستور التابع للمرشد، والاستبعادات الواسعة للمرشحين، والسيطرة الكاملة على المؤسسات المنتخبة تحت ظل البنى المعيّنة، كان النظام لا يزال يحتفظ بقشرة" جمهورية" ما، إذ كانت تُجرى انتخابات، وينعقد البرلمان، وكانت الحكومة، في الأقل ظاهرياً، مسؤولة عن تنفيذ شؤون الدولة.
لكن في الأشهر الأخيرة ظهرت مؤشرات واضحة على تجاوز تلك القشرة الحد الأدنى.
يرى محللون أن ما يتشكل اليوم في إيران هو حكم قمعي يتمحور حول إرادة المرشد وشبكات أمنية - عسكرية مرتبطة به، وهو نموذج يذكّر من جوانب عدة ببنية السلطة في إيران قبل الثورة الدستورية، وهي فترة كان فيها الحاكم يحكم مباشرة من دون الحاجة إلى أي مؤسسة تمثل الشعب.
إن الإعلان الرسمي عن تأجيل انتخابات المجالس البلدية حتى شهرين بعد نهاية الحرب رسمياً، إلى جانب تجاهل اعتراضات أعضاء البرلمان في شأن تعطيل مجلس الشورى الإسلامي بأمر من المجلس الأعلى للأمن القومي، وكذلك نقل صلاحيات المجالس العليا المختلفة وهيئات مثل" مجمع تشخيص مصلحة النظام"، كلها تُظهر بوضوح مسار انتقال السلطة إلى حلقة عسكرية ضيقة.
الجمهورية: مفهوم سعى النظام إلى إلغائهمنذ الأعوام الأولى بعد أحداث عام 1979 وُجدت قراءتان مختلفتان لطبيعة النظام السياسي في إيران: الأولى كانت تؤكد على الجمع بين الإسلام والجمهورية، وتعتبر صوت الشعب ركيزة أساسية للشرعية.
أما القراءة الثانية فكانت ترى أن شرعية الحكم تأتي من الطاعة المطلقة للولي الفقيه، وأن صوت الشعب لا يملك شرعية ذاتية، بل هو في أفضل الأحوال وسيلة شكلية لا تمثل مصدر السلطة الحقيقي.
في الأعوام الأولى بعد الثورة، حاولت السلطات الجمع بين هذين المفهومين ظاهرياً.
لكن شعار" الميزان هو رأي الأمة" لم يكن منسجماً مع ما كان يُطبق فعلياً تحت إشراف مجلس صيانة الدستور والرقابة الاستصوابية، بينما كان مبدأ ولاية الفقيه في الدستور يضمن تفوق مؤسسة القيادة على جميع المؤسسات المنتخبة.
بعد وفاة الخميني وتثبيت سلطة علي خامنئي، بدأت الكفة تميل تدرجاً وبسرعة لمصلحة رؤية تعتبر كل شيء تابعاً لولاية الفقيه المطلقة.
وكان محمد تقي مصباح يزدي من أبرز منظّري هذا الاتجاه، إذ كان يصرح بأن صوت الشعب لا يمنح الشرعية إلا إذا أقره الولي الفقيه.
وكان يقول إنه حتى لو صوت جميع الناس لشخص ما، فإن رفض الولي الفقيه يجعل ذلك الانتخاب غير شرعي.
وكان يعتبر مفهوم الجمهورية أمراً ظرفياً وليس أساساً.
هذا الفكر لم يكن محصوراً بشخص واحد، بل تبنته أيضاً شرائح من التيار القريب من" الحرس الثوري" والأجهزة العقائدية - الأمنية خلال العقدين الماضيين.
ولذلك يرى بعض المحللين أن كثيراً من الشخصيات القريبة اليوم من مجتبى خامنئي لطالما كانت على خلاف مع مبدأ الجمهورية، مما أدى، بحسب هؤلاء المحللين، إلى انتصار هذا التيار عملياً.
ويمكن اعتبار الحرب التي استمرت 40 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة نقطة تحول في هذا المسار، إذ أصبحت المؤسسات الأمنية والعسكرية فعلياً بديلاً من مؤسسات الدولة الرسمية، وتم تهميش الحكومة والبرلمان، وسيطرت مجموعة تؤمن بمطلق الحاكمية على القرارات الكبرى.
البرلمان والحكومة: مؤسستان مهمشتان عملياًربما كان أوضح مؤشر على انهيار ما تبقى من مظاهر الجمهورية هو وضع مجلس الشورى الإسلامي.
فالمجلس الذي تشكّل حتى عبر أكثر الانتخابات تقييداً في تاريخ النظام، أصبح اليوم خارج دائرة القرار.
خلال الـ100 يوم الماضية، تعطّل البرلمان مراراً، وتم حرمانه من الوصول حتى إلى المعلومات المتعلقة بأهم قرارات الدولة.
وصرّح بعض النواب بصورة مباشرة بأن الجهات التي تتولى إدارة الأمور بعد الحرب لم تعد ترى حاجة إلى البرلمان.
وقال بعضهم إنهم لا يُطلعون حتى على تفاصيل إدارة البلاد أو مسار المفاوضات، خلافاً للدستور، ويتم تحذيرهم من الإدلاء بتصريحات حول شؤون الدولة.
وهذا الوضع غير مسبوق تاريخياً منذ الثورة الدستورية في إيران، فمنذ تأسيس مفهوم البرلمان، لم يحدث تعطيل كامل له إلا في فترة الاستبداد الصغير بعد قصف البرلمان في عهد محمد علي شاه، أو في الأشهر الأولى من تأسيس الجمهورية الإسلامية.
أما خلال العقود الماضية فقد احتفظ البرلمان في الأقل بشرعية شكلية، لكن يبدو اليوم أنه بالنسبة إلى مراكز القرار لم يعد لمفهوم الجمهورية أو البرلمان أي قيمة تُذكر.
البرلمان والانتخابات: الجمهورية على طريق النهايةفي البرلمان، تغيّر وضع الحكومة أيضاً بصورة ملحوظة.
تصريحات مسعود بزشكيان في الـ24 من مايو (أيار) الجاري أمام مديري الإذاعة والتلفزيون، التي قال فيها إن القرارات الأساسية تُتخذ بالتنسيق مع المرشد وتحت إشراف المجلس الأعلى للأمن القومي، كشفت تراجعاً واضحاً في صلاحيات السلطة التنفيذية.
الحكومة التي يفترض دستورياً أن تكون صاحبة السلطة التنفيذية الأساسية، تحولت عملياً إلى جهاز تنفيذي وسيط في تنفيذ القرارات الأمنية والعسكرية وتنظيم أنصار النظام.
كذا تراجع موقع رئيس الجمهورية بصورة كبيرة.
فمنذ بداية الحرب وحتى اليوم، أصبح الرئيس يشارك فقط في الاجتماعات الرمزية أو الزيارات البروتوكولية، بينما يتم استبعاده من القرارات الاستراتيجية الكبرى مثل إنهاء الحرب أو مسار المفاوضات.
ويُنظر إلى رئيس الجمهورية حالياً، وفق هذا الوضع، ليس كالشخص الثاني في الدولة حسب الدستور، بل كمدير إداري محدود الصلاحيات.
المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو هيئة معينة تخضع للمرشد، أصبح عملياً مركز اتخاذ القرار، إذ بات" الحرس الثوري" والمؤسسات الأمنية يسيطرون على جزء كبير من القرارات الكبرى، بينما تدار الدولة عبر دائرة ضيقة من القيادات العسكرية والأمنية.
إلغاء الانتخابات: اختبار لنهاية مفهوم الجمهوريةمن أهم مؤشرات تراجع مفهوم الجمهورية في النظام الإيراني، وضع انتخابات المجالس البلدية والانتخابات الفرعية لمجلس خبراء القيادة.
وكان من المفترض أن تُجرى هذه الانتخابات في مايو (أيار) – يونيو (حزيران) 2026، وتم تسجيل المرشحين، لكن لا توجد أي معلومات واضحة حالياً عن موعدها، ولا أي مظاهر لحراك انتخابي في المدن.
تم تأجيل انتخابات المجالس البلدية إلى ما بعد شهرين من انتهاء الحرب بصورة رسمية، ومنذ ذلك الحين اختفى أي نشاط انتخابي حقيقي.
ويُعتقد أن هذا التأجيل ليس مجرد إجراء موقت، بل قد يكون اختباراً لقياس رد فعل المجتمع والمجتمع الدولي تجاه تعليق أوسع للعملية الانتخابية.
في الأعوام الأخيرة، تراجعت نسبة المشاركة في الانتخابات بصورة كبيرة في إيران.
انتخابات البرلمان في مارس (آذار) 2024، والانتخابات الرئاسية في العام نفسه، أظهرتا أن جزءاً كبيراً من المجتمع لم يعد يعتبر الانتخابات مؤثرة في تحديد مصير البلاد.
ويبدو أن السلطة وصلت إلى قناعة بأنها تستطيع إدارة البلاد من دون الاعتماد الفعلي على الآليات الانتخابية.
في الهيكل الحالي، تُتخذ أهم القرارات في البلاد من قبل دائرة ضيقة من القادة العسكريين والأمنيين وشخصيات قريبة من مكتب المرشد، بما في ذلك قضايا الحرب، والمفاوضات مع الولايات المتحدة، والسياسة الإقليمية، وحتى الملفات الاقتصادية.
لقد تراجع دور الحكومة والبرلمان إلى الحد الأدنى.
وأصبح" الحرس الثوري" والمؤسسات الاقتصادية - الأمنية المرتبطة به اللاعبين الأهم في البلاد، ولم تعد هذه البنية تهيمن فقط على السياسة الخارجية والأمن، بل فرضت سيطرتها أيضاً على الاقتصاد والإعلام وجزء كبير من السياسة الداخلية.
وأصبحت هيئة الإذاعة والتلفزيون في خدمة ترسيخ هذا النموذج.
فالتغطية الإعلامية للحرب، والحضور الدائم للقادة العسكريين في البرامج التلفزيونية، كلها تُعد جزءاً من مشروع تثبيت ما يسميه بعض المحللين بـ" الحكم الأمني – العسكري".
ويرى كثير من المحللين أن مجتبى خامنئي والدائرة المقربة منه يعملون على تصميم نموذج يكون فيه القائد ليس" قائد الجمهورية الإسلامية"، بل" قائد الحكومة الإسلامية"، أي بنية تصبح فيها المؤسسات المنتخبة، حتى وإن بقيت شكلياً، ذات دور استعراضي وتنفيذي فقط، بينما يتم عملياً نقل صلاحيات الحكم تدرجاً إلى الكارتلات الأمنية - العسكرية والشبكات الاقتصادية التابعة لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك