دقّ انتشار فيروسي" هانتا" و" إيبولا" في عددٍ من الدول، وفي مقدمتها جمهورية الكونغو الديمقراطية المشاركة في كأس العالم 2026، ناقوس الخطر قبل حوالي أسبوعين من انطلاق البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وسط مخاوف متزايدة من تأثير الأزمة الصحية على حركة المنتخبات والجماهير والإجراءات التنظيمية الخاصة بالمونديال.
وأثارت التحذيرات الصحية الأخيرة، إلى جانب الحديث عن فرض قيود وعزل احترازي على بعض القادمين من مناطق تشهد تفشياً للأوبئة، وعلى رأسهم أفراد منتخب الكونغو، حالة من القلق داخل الأوساط الرياضية، لا سيما أن البطولة المقبلة ستكون الأكبر في تاريخ كأس العالم من حيث عدد المنتخبات (48 فريقاً)، والمشجعين والتنقلات بين ثلاث دول مختلفة، ما يضاعف التحديات المرتبطة بالسلامة الصحية ومراقبة الحدود.
ولا تُعد هذه المخاوف جديدة على عالم الرياضة، إذ شهد التاريخ العديد من الحالات التي ألقت فيها الفيروسات والأوبئة بظلالها على البطولات الكبرى، وأجبرت اتحادات رياضية وحكومات على تأجيل أحداث عالمية أو إلغائها أو حتى نقلها إلى دول أخرى، تفادياً لانتشار العدوى وحفاظاً على سلامة اللاعبين والمشجعين.
البداية مع عام 1919 تحديداً حين ألغي كأس ستانلي لهوكي الجليد بين فريقي مونتريال كانيديينز ونظيره سياتل ميتروبوليتانز، بعد تفشي الأنفلونزا الإسبانية بين اللاعبين، ودخول عدد كبير منهم إلى المستشفى، ما جعل استكمال البطولة مستحيلاً، خاصة بعد وفاة أحدهم لاحقاً بسبب المضاعفات، ويومها عنونت صحيفة تورنتو غولبي" إلغاء كأس ستانلي: الفريق في المستشفى".
وقبيل مونديال 1958 في السويد، شهدت التحضيرات لهذا الحدث مخاوف من السفر إلى البلد الاسكندنافي بسبب تفشي شلل الأطفال في أوروبا آنذاك، هذا القلق نتج بعد انتشار وباء شديد في مدينة كوفنتري البريطانية عام 1957 بسبب نقص حاد في اللقاحات وأدى لذعرٍ شعبي كبير، لكن السويد حينها تعاملت مع الموقف بنجاح بعدما طورت لقاحاً محلياً خاصاً بها مع استيراد جرعات إضافية لتأمين حماية مجتمعية سريعة للمواطنين، ما أدّى إلى هبوط حاد في عدد الإصابات، وبالفعل سارت البطولة بأمان ودون تسجيل تفشٍّ بين الوفود.
ومن بين الحالات الشهيرة أيضاً تلك التي حصلت في عام 2003، حينما كانت الصين تتحضر لاستضافة النسخة الرابعة من بطولة كأس العالم للسيدات في كرة القدم خلال فصل الخريف، لكن تفشي وباء المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) في جنوب البلاد وكذلك في هونغ كونغ بشكلٍ واسع وعنيف، دفع فيفا بناءً على توصيات مشددة من منظمة الصحة العالمية واللجنة الطبية في الاتحاد الدولي للعبة سحب حق الاستضافة لحماية المشاركين، وعلى أثرها في 26 مايو/ أيار تبرعت الولايات المتحدة لاحتضان هذا الحدث نظراً لامتلاكها بنية تحتية وخبرة تنظيمية، حيث سبق لها أن أقامت نسخة 1999 على أراضيها، ورعم الوقت الضيق نجح الأميركيون في إظهار المونديال النسوي بشكلٍ مميز، في حين حصلت الصين على حق استضافة النسخة التالية عام 2007.
في السنوات اللاحقة عاشت الرياضة الآسيوية حالة طوارئ حقيقية بسبب تفشي أنفلونزا الطيور (H5N1)، والتي تزامنت مع طفرة تنظيمية لبطولات كبرى في الصين ودول جنوب شرقي القارة، وتحديداً بطولة كأس آسيا في صيف 2004، وهُدد الحدث بشكل فعلي، لكن السلطات الصينية والاتحاد الآسيوي تعاملا مع الموقف بحزم من خلال إجراء فحص دقيق لجميع الوفود والجماهير في المطارات والملاعب وفي محافظات مثل بكين وتشونغتشينغ، وجينان، وتشنغدو، مع منع القادمين تماماً من تناول وجبات تحتوي على دجاج أو بيض في الفنادق واستبدالها بلحوم أخرى تحت رقابة طبية صارمة لحماية اللاعبين.
ولاحقاً كانت قطر أيضاً في قلب المشهد خلال دورة الألعاب الآسيوية 2006، إذ واجه القادمون من دول كانت تشكل البؤر الرئيسية للمرض مثل فيتنام وإندونيسيا والصين إجراءات حجر صحي وفحوصات مسبقة مكثفة قبل دخول القرية الأولمبية.
وفي عام 2009 أدى انتشار الفيروس في المكسيك إلى إقامة مباريات الدوري المحلي خلف الأبواب المغلقة وبدون جماهير لمنع الاكتظاظ، كما قرر الكونكاكاف تأجيل بعض البطولات الإقليمية المؤهلة لكؤوس العالم للشباب في القارة الأميركية الشمالية خوفاً على سلامة المراهقين والناشئين.
وننتقل إلى سنة 2014 حينما قرر المغرب الاعتذار عن استضافة بطولة أمم أفريقيا في موعدها المحدد مطالباً بتأجيلها من 2015 إلى 2016 بسبب المخاوف من انتشار فيروس إيبولا القاتل في غرب القارة (غينيا، وسيراليون، وليبيريا)، وذلك تماشياً مع توصيات وزارة الصحة المغربية ومنظمة الصحة العالمية، لكن الاتحاد القاري رفض ذلك تحت قيادة عيسى حياتو، ليجد بديلاً عبر بوابة غينيا الاستوائية.
أما في عام 2015 فشهد العالم تخوفاً خلال دورة الألعاب الجامعية العالمية في كوريا الجنوبية حيث كان الحدث مهدداً بالإلغاء مع مشاركة أكثر من 10 آلاف رياضي مع انسحاب بعض الدول أو تأخر وصولها تخوفاً من العدوى مع إلغاء مناطق المشجعين والمهرجانات الثقافية المصاحبة، وإجراء فحوصات صارمة وكاميرات فحص حراري عند بوابات الملاعب وبروتوكولات تعقيم يومية، وكلّ ذلك كان بسبب فيروس" ميرس".
ونحط رحالنا بعدها في عام 2016، إذ سادت فترة ما قبل انطلاق دورة الألعاب الأولمبية في البرازيل بمدينة ريو دي جانيرو حالة عارمة من الذعر العالمي بسبب تفشي فيروس" زيكا" الذي ينقله البعوض ويرتبط بتشوهات الأجنة، وبموجبها انسحب العديد من اللاعبين في رياضات مختلفة مثل الغولف والتنس والسلة.
ونصل أخيراً إلى الحدث الأبرز في عالمنا المعاصر والذي شلّ الحياة الرياضية بالكامل، وهو ما زال في ذاكرتنا حتى اليوم، أي جائحة كورونا" كوفيد-19" في عام 2020، والذي تسبب في أكبر ضرر للنشاط منذ الحرب العالمية الثانية، إذ تأجلت ألعاب طوكيو في صيف 2021 وأقيمت من دون جماهير، وكذلك حصل في أمم أوروبا، كما ألغيت بطولة ويمبلدون للتنس ثالث دورات الغراند سلام الكبرى، مع إجراء نهائي دوري أبطال أوروبا على سبيل المثال بلا أي مشجع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك