يلقي عدم توفر ما يكفي من اليد العاملة الزراعية الموسمية في المغرب، بالتزامن مع ذروة موسم جني الخضر والفواكه، بظلاله على القطاع الزراعي، ويضعه في مأزق حقيقي على مستوى تأمين عمال يكفلون استمرارية سلاسل الإنتاج والتصدير.
وفي وقت تشير مؤشرات الإنتاج إلى وفرة في المحاصيل جراء تساقطات مطرية مهمة هذه السنة، بات توفير اليد العاملة لجني تلك المحاصيل من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في المغرب وتُهدد بإفقاده جزءاً من إنتاجيته، إذ يشتكي العديد من المزارعين وأصحاب الضيعات من شحّ لافت في عرض اليد العاملة ومطالب مالية مضاعفة للعمال المتاحين.
من بين هؤلاء المزارع محمد القدميري من منطقة الغرب، الذي وجد نفسه في مأزق جراء قلة اليد العاملة والارتفاع الملحوظ في الأجور المطلوبة مقارنة بالمواسم الماضية، مشيراً إلى أن" الموسم الحالي يبقى ممتازاً جدّاً من ناحية الإنتاجية، إلا أنه، اصطدم بنقص واضح في اليد العاملة، ما أثّر على جني المحاصيل وجمعها، كما أثقل كاهل المزارعين، بعد أن ارتفع الأجر اليومي الذي كان في حدود 100 درهم (نحو 10 دولارات) إلى نحو 400 درهم (نحو 40 دولاراً) في بعض الحالات".
وقال القدميري لـ" العربي الجديد": " نقص اليد العاملة في المجال الزراعي مشكل حقيقي، مثل مزارع الفواكه الحمراء التي اصطدمت بصعوبات حقيقية في تأمين عدد كاف من العمال في الوقت المناسب، ما انعكس سلباً على هامش الربح.
وبسبب معاناتي هذه السنة، أصبحت مجبراً على تقليص المساحة المزروعة إلى النصف أو أقل السنة المقبلة".
ويأتي النقص في اليد العاملة بالقطاع الزراعي في وقت تبلغ فيه عدد من الزراعات مرحلة حساسة في دورة إنتاجها، مثل الحبوب والقطاني والبطاطس، وزراعة الأفوكادو وزراعة وتنقية الفول السوداني من الأعشاب الضارة، والفواكه الحمراء.
وكان القطاع الزراعي قد شهد، خلال بداية الموسم الحالي، صعوبات في إيجاد العمال لجني الزيتون من جراء الارتفاع الكبير في الأجور الذي بلغ أزيد من الضعف، إذ يكلف المزارع ما بين 300 و350 درهماً (ما بين 30 و35 دولاراً) لليوم الواحد، وذلك في الطبيعة الجغرافية الصعبة لبعض الحقول، فيما وصلت الأجور إلى نحو 250 درهماً (25 دولاراً) في الأراضي المنبسطة.
ويأتي ذلك، في وقت تتوقع المندوبية السامية للتخطيط (حكومية) أن تسجل القيمة المضافة الزراعية، مدعومة بظروف مناخية ملائمة، ارتفاعاً بنسبة 10.
4% خلال العام الحالي، مقابل 4.
5% في العام الماضي.
وتراهن الحكومة على انتعاش القطاع الزراعي من أجل خفض معدل البطالة الذي ارتفع إلى 13.
1%، إذ تراجع في المدن من 17% إلى 16.
3%، ومن 7.
4% إلى 6.
9% في المناطق القروية.
علماً أن القطاع الزراعي يمثل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ويستوعب 38% من الساكنة النشيطة.
وعرف المغرب خلال السنوات الأخيرة انتقال عدد كبير من الشبان المغاربة من القرى إلى المدن، منجذبين إلى قطاعي البناء والخدمات المتناميين.
وأدى ذلك إلى انخفاض عدد المغاربة العاملين في الزراعة، وهو قطاع تفيد الإحصاءات الرسمية بأنه فقد 1.
7 مليون وظيفة إجمالاً منذ عام 2000.
كذلك ساهم إطلاق دول الاتحاد الأوروبي، خاصة إسبانيا وفرنسا، برامج تهدف إلى تسهيل استقدام عمال مغاربة للعمل بشكل موسمي في انخفاض عدد العاملين في القطاع الزراعي.
ويعمل الآن واحد فقط من كل أربعة مغاربة في الزراعة، مقارنة بنصف المغاربة قبل عقدين، وفق إحصاءات رسمية.
أما الذين يبقون للعمل في القطاع، فغالباً ما يطلبون أجوراً أعلى أو يفضّلون الحصول على أجر مقابل" العمل بالقطعة".
ويعزو الرئيس السابق لاتحاد الجامعة الوطنية للقطاع الزراعي (اتحاد عمالي) محمد هاكش، أسباب نقص اليد العاملة الذي يطرح بمناسبة الجني إلى هجرة الشباب القروي سواء إلى المدن أو إلى خارج البلاد، ورفض العمل بأجور هزيلة وفي ظروف قاسية.
وقال هاكش، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن النقص في اليد العاملة يدفع المستثمرين في القطاع الزراعي إلى تشغيل مهاجرين ومهاجرات الأفارقة جنوب الصحراء الذين أصبحوا يستقرون ببلادنا لانسداد إمكانات العبور إلى أوروبا، لافتاً إلى أن هذا التشغيل يصطدم بعدم قانونية هذه اليد العاملة، وأنه عادة ما تتدخل السلطات العمومية لمنع تشغيلهم.
ويتجسد الحل، في نظر هاكش، في إشراك النقابات والعمل على إيجاد الحلول المناسبة، وتصحيح أوضاع العاملات والعمال الزراعيين على مستوى الأجور وظروف العمل وتنمية العالم القروي لضمان استقرار الشباب.
كذلك يقتضي الأمر تسوية أوضاع المهاجرات والمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء على غرار دولة إسبانيا، بحسب الهاكش.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك