في عام 2004، شهد سجن رومية اللبناني آخر تنفيذ لحكم بالإعدام، عندما قامت السلطات بشنق ثلاثة مواطنين مدانين بجرائم مختلفة.
ومنذ ذاك الحين، علقت الدولة اللبنانية تلك العقوبة الردعية.
اليوم وبعد مرور 22 عاماً، عاد السجال حول" الإعدام"، ولكن هذه المرة من دائرة المحادثات داخل البرلمان اللبناني، حيث تقوم لجنة الإدارة والعدل ولجنة حقوق الإنسان النيابية باستبدال عقوبة الإعدام، بعقوبة أخرى ألا وهي" الأشغال الشاقة المؤبدة".
يلاقي هذا الطرح توجهات دولية تدعو إلى ضرورة وقف تلك العقوبة المصنفة" لا إنسانية"، ولكنها في المقابل، طرحت تساؤلات عن فاعلية هذا التعديل في ظل انتشار ثقافة الثأر والخروج عن القانون والتمادي في الجرائم، التي بلغت من الفداحة مرتبةً لا يمكن التسامح معها، برأي تيار حقوقي وازن في لبنان.
تعد عقوبة الإعدام أشد العقوبات التي يمكن أن يقرها القضاء الجزائي على مستوى العالم، وتتخذ طابعاً ردعياً على الجرائم الكبرى.
وخلال الأعوام الماضية، بدأ التيار الداعي لإلغائها وإبدالها بالعقوبات الإصلاحية بالتوسع.
وقد لاقى هذا التيار صداه في لجنة حقوق الإنسان النيابية في لبنان.
ويشدد رئيس اللجنة النائب ميشال موسى على الأسباب الموجبة لاستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة، منطلقاً من مضي أكثر من عقدين على آخر تطبيق لعقوبة الإعدام في لبنان، و" هو خير دليل على وجود مناخ رافض لهذه العقوبة، لأنه تبيّن أنها عقوبة غير رادعة، وأكثر الدول تتوجه إلى إلغائها".
ويضيف موسى، " طالما أن العقوبة لا تُنفذ حريّ بنا استغلال الفرصة وإلغائها بصورة رسمية، ومن ثم التحول إلى الأشغال الشاقة المؤبدة وعدم استفادة السجين هذا من خفض السنة السجنية"، نافياً وجود أي رابط بين بحث هذه العقوبة وطرح قانون للعفو العام.
وقال إن" ما جرى هو محض الصدفة، لأن اقتراح إلغاء الإعدام هو مشروع قديم للجنة حقوق الإنسان النيابية، وتنفيذه سيُطبَّق بصورة لاحقة سواء تم إقرار العفو من عدمه".
ويتوقع موسى أن تتواصل دراسة المشروع في اللجان النيابية، وفي حال التوافق يتجه إلى الهيئة العامة، أما في حال ظهور الاختلافات عندها ينتقل إلى اللجان المشتركة".
ويعتقد موسى أن" إقرار القانون بحاجة إلى توافق بين الكتل النيابية المختلفة التي تمثل النسيج اللبناني المتنوع"، و" القانون يهدف إلى تطوير السياسة العقابية، وينسجم مع الإصلاحات التشريعية الدولية على رغم استمراره في بعض الدول والولايات الأميركية".
إلا أنه يعبر عن أسفه لاستمرار الظروف السيئة في السجون اللبنانية، وعدم تسجيل أي تقدم على مستوى معالجة الاكتظاظ في السجون وتأخير المحاكمات، معتبراً أن" العدالة المتأخرة هي عدالة ناقصة".
أحاط المشرع اللبناني عقوبة الإعدام بضمانات كثيرة، حيث يتعامل معها القضاة بوصفها" عقوبة استثنائية"، وهدفها" الردع وليس إزهاق روح المجرم"، حسب القاضي السابق في محكمة التمييز، نبيل صاري، الذي تحدث عن فلسفة تلك العقوبة التي أحاطها القانون بضمانات، إذ لا تُطبق إلا بعد اكتمال إجراءات معقدة، وانتقال الملف في مراحل طويلة، حيث ينظر فيه أكثر من 20 قاضياً.
وأوضح القاضي الجزائي المتقاعد، " يبدأ النظر بجريمة القتل لدى قضاة النيابة العامة للدراسة، ومن ثم يتم التحويل إلى قاضي التحقيق الذي يستمع إلى الشهود ويستعين بالخبراء، وجمع الأدلة ويجري الكشف على موقع الجريمة، ومن ثم ينتقل الملف إلى النائب العام لتقديم المطالعة بالأساس، وتستمر الإجراءات لدى الهيئة الاتهامية المؤلفة من ثلاثة قضاة، ومن ثم تنظر به محكمة الجنايات التي تتألف من ثلاثة قضاة ونائب عام، وفي حال إصدار حكم الإعدام يُميّز فوراً ومباشرة لدى محكمة التمييز وهي أعلى مرجع قضائي.
وبعد ذلك في حال تبنت محكمة التمييز القرار بالإعدام، ينتقل إلى اللجنة العليا للعفو لتقديم رأيها بالملف، ومن ثم يمكن عرضه على لجنة أخرى استشارية لدى رئيس الجمهورية، ويطلع على الملف وزير العدل، وهكذا دواليك من الإجراءات المعقدة التي تسبق التصديق على قرار الإعدام"، مشدداً على أن" القانون جاء لحماية الحق بالحياة، وأمن المجتمع، وهذا يبرر كل تلك الإجراءات الدقيقة، وألزم القاضي الأخير الذي أصدر الحكم بحضور عملية تنفيذ الإعدام إلى جانب مدعي عام المنطقة، ورجال الدين، والضباط المكلفين".
يرى صاري أن" هناك حاجة لتشديد ظروف المحاكمة والإعدام دون إلغاء العقوبة، التي يجب أن تبقى في حالات محصورة"، مكرراً" ليس الهدف من الإعدام إزهاق الروح، لأنه أحياناً الموت يعالج من تأنيب الضمير، ولكنه من أجل ردع الآخرين عن تكرار الفعل عينه".
يكشف صاري عن ملابسات اتخاذ محكمة الجنايات قراراً بـ" إنزال عقوبة الإعدام في أحد المدانين بجرائم القتل" الذي" لم يأت لمعاقبة فرد وإنما حمايةً لمصلحة المجتمع من أشخاص خطرين للغاية حيث بلغوا مرحلةً لا يمكن إصلاحها في المطلق"، مضيفاً أنه" في لبنان لا وجود لأشغال شاقة في السجون أو المشاريع الضخمة، كل ما هناك هو سجون ينزل فيها المجرم لفترة من الزمن دون أي عقاب زاجر للآخرين".
وتم" خفض السنة السجنية إلى 9 أشهر وشيوع قوانين العفو بحق تجار المخدرات".
ويستذكر المتحدث ذاته القرار الذي اتخذته المحكمة المؤلفة من القضاة، عادل خوري رئيساً، ونبيل صاري وشربل رزق كمستشارَين، وذلك في معرض نظرها في إحدى الجرائم المرتكبة في شمال لبنان في منتصف تسعينيات القرن الماضي، " عندما قام شاب بقتل ابن عمه بسبب خلاف على الإرث، ومن ثم تدخلت لجان الصلح، ورتبت جلسة لإصلاح ذات البَين ودفع الدية، وما كان من الفاعل إلا أن أطلق الرصاص على المجتمعين، وأوقع عمه قتيلاً وأصاب ابن عمه ومشايخ الصلح"، و" خلال الجلسات أظهر أنه غير مبالٍ بما فعله، ولم يتردد خلال تلاوة القرار العلني بالقول: ممنونك (أشكرك) يا حضرة الرئيس".
ويلفت صاري إلى أن" الإحصاءات أظهرت تراجعاً في جرائم القتل ضمن شمال لبنان بعد تنفيذ تلك العقوبة بحضور محكمة التمييز بمعدل 40 في المئة".
من جهة أخرى، يشير القاضي صاري إلى" اختلاف إجراءات تنفيذ عقوبة الإعدام، حيث تنفذ رمياً بالرصاص في حال إدانة العسكري، أما الشنق فهو من مصير المدنيين.
تختلف آلية العقوبة حسب الدول والأنظمة، ففي بعض الولايات الأميركية، تلجأ السلطات إلى استخدام السم الذي لاقى شهرة بسبب إعدام الفيلسوف اليوناني سقراط، أو حتى بواسطة الصعق بالكهرباء غير المعتمد في لبنان، وازدهرت المقصلة في فرنسا عقب الثورة الفرنسية بحق المخالفين وبعض العلماء.
فيما يستمر التوجه إلى منح الأسباب التخفيفية في الجرائم السياسية باستثناء الخيانة العظمى، مع انتشاره في بعض الدول المحيطة بوصفه أداة للاقتصاص من الخصوم".
لا يُمكن فصل أحكام الإعدام عن السياسة العقابية الشاملة للبلاد، ويشكل الاستغناء عنها لمصلحة الأشغال الشاقة تغييراً في النظرة إلى العقوبة على المستوى السياسي، ولكنه يصطدم بالمقابل بالموروث الثقافي، فما إن تحدث أي جريمة حتى ترتفع الدعوات في لبنان إلى" تعليق المشانق" للاقتصاص من الفاعلين الذين" لا يظهرون الندم" سواء كان على المستوى السياسي أو الاجتماعي بسبب الانتهاكات الوحشية في جرائم الاغتصاب أو العنف الجنسي التي تطاول القاصرين أو القتل الجماعي بسبب العقلية الثأرية.
ويرى النقيب السابق للمحامين في بيروت المحامي أنطونيو الهاشم أن" الموضوع بحاجة إلى نقاش عميق لكافة المكونات الاجتماعية، وعدم حصره بالجوانب التقنية الضيقة"، مشيراً إلى أن" تلك العقوبة لا تزال موضع نقاش دولي، وثمة انقسام كبير في النظرة إلى الإعدام، بين تيار مؤيد لاستبدالها بالأشغال الشاقة المؤبدة أو الموقتة، وآخر معارض لها".
ويعتقد الهاشم وجوب أخذ السياق العام وظروف البلاد السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية في الحسبان، مع ضرورة الالتزام بأن تبقى العقوبة رادعة.
ويعود في الذاكرة إلى عام 1958، عندما سعى عميد حزب" الكتلة الوطنية" ريمون إده (وزير الداخلية آنذاك) لإدخال عقوبة الإعدام وتحديداً المادة 549، إلى متن السياسة العقابية للبلاد، لتكون تطبيقاً لشعار" القاتل يُقتل"، " الأشد خطورة" و" التعبير عن حق المجتمع في الدفاع عن نفسه وصون أمنه عندما تبلغ الجريمة حداً كبيراً من الفظاعة، حيث تهز ثقة المجتمع بالقانون والدولة".
ويلفت الهاشم إلى أن" إقرار تلك العقوبة جاء انطلاقاً من نظرة غير انتقائية لأنه لا يمكن حصر النظرة الإنسانية بشخصية الفاعل الجاني، وإنما لا بد من أخذ إنسانية المجني عليه في الاعتبار".
ويعتبر الهاشم أن" من حق البرلمان إقرار القوانين التي يشاء، ولكن لا بد من أخذ مختلف أبعاد القضية بالاعتبار سواء تلك التي ترى أنه قد تظهر أدلة على براءة بعض المدانين بعد فوات الأوان وإزهاق أرواحهم، ومن ثم يتعذر التعويض، ومن ثم عدم التشبه بالقاتل.
ورأي تيار آخر يطالب بالحفاظ عليها كعقوبة رادعة"، مضيفاً أن" الانتقال من الإعدام إلى الأشغال الشاقة، إنما هو تعبير عن نية للانتقال من منطق الانتقام المجتمعي النهائي إلى العقوبة الرادعة غير القاتلة، ومن هنا لا بد من دراسة الظروف المحيطة بتنفيذ السياسة العقابية".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويعتقد أن" العبرة ليست بإلغاء الإعدام من النصوص، ولكن يمكن الإبقاء عليها في الجرائم الاستثنائية والإرهاب وتلك التي بلغت ذروة الوحشية، واعتماد العدالة القاسية بحق المجرم المتمادي، في موازاة تشديد الضمانات القانونية، والإجراءات القضائية الصارمة، وضمان المحاكمة العادلة، ومراعاة الأعراف الحقوقية الدولية لناحية المحاكمة على درجات.
وذلك كي لا تتوسع دائرة الثأر الاجتماعي ودوامة الوحشية المطلقة في المجتمع".
ويرى الهاشم أن" العدالة تتأتى من السرعة في الإجراءات، والدقة في التحقيقات والصرامة في العقوبات ووجود سجون مؤهلة، وليست مجرد نصوص تفتقر إلى الفاعلية"، مستدركاً أن" لبنان يعيش في أجواء متشنجة وغير طبيعية وفاقت أحياناً حدود شريعة الغاب، لذا لا بد من تأمين بديل رادع ومضمون لعقوبة الإعدام، وعدم الالتفاف عليها بقوانين العفو والإجراءات الاستثنائية ومراعاة كبار المجرمين في السجون.
ويجب معالجة البيئة الحاضنة للمجرمين ومحاربة الفقر والجهل وحالات الخروج على القانون، إضافة إلى الحفاظ على الرابط العائلي والإنساني والوطني".
لا يمكن فصل اقتراح استبدال عقوبة الإعدام في لبنان عن تيار دولي واسع، يدعو إلى الاستغناء عن هذه العقوبة التي تُزهق الروح.
وقد جاء هذا التوجه نتيجة تطور تاريخي وفكري عابر للحدود، وتحديداً في أعقاب الحرب العالمية الثانية وصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ويؤكد الباحث المتخصص في القانون الدولي نضال الجردي تزايد الاهتمام بإصلاح السياسات العقابية، مشيراً إلى أن" ظهور الإعدام أتى كإجراء عقابي وردعي في بادئ الأمر.
إلا أن النظرة اختلفت لاحقاً، لأن المجرم في المبدأ يتصرف وكأن جريمته لن تُكتشَف، لذا لن يختلف الأمر لديه من الناحية الردعية، سواء كانت العقوبة في النص الإعدام أو الأشغال الشاقة.
والإشكالية الثانية ظهرت لأن الإعدام يقتل الشخص، ويحرمه من إمكانية الإصلاح التي تصبح فرصها معدومة.
ناهيك باعتبارها عقوبة ممتدة، حيث يطاول الألم والأذى العائلة بسبب خسارتها أحد أفرادها، مما يضاعف الألم إلى حد يتجاوز الحاجة المقبولة له".
ويلفت الجردي إلى" عدم وجود عرف دولي يحظر عقوبة الإعدام بالمطلق، ولكن ثمة بروتوكولات إضافية تلتزم بها أكثر من 100 دولة، ألغت هذه العقوبة"، و" قانون حقوق الإنسان واضح في معارضته لعقوبة الإعدام، ولكن لا يمكن إلزام أي دولة بتنفيذه إلا في حال التزامها بقواعد القانون الدولي"، متحدثاً عن" توجه بعض الدول إلى تعليق العقوبة، حيث تحافظ على الإعدام في النصوص والأحكام ولكن دون تطبيقه على أرض الواقع، مما يشكل مرحلة انتقالية ريثما يُقر إلغاؤها كلياً وتغيير النصوص وتجهيز المجتمعَين القانوني والمدني لقبول فكرة إلغاء الإعدام".
ويرى الجردي أن" وجود تلك العقوبة في النصوص ينتج حالاً من القلق، حتى وإن لم تُنفذ.
حيث يعيش الأشخاص فترات انتظار طويلة واضطراب بين سؤالين: هل ستُنفذ العقوبة بحقنا أم ستبقى معلقة؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك