أثار مقتل أبوبلال المينوكي الرجل الثاني في تنظيم" داعش" صراعات داخلية في شأن خلافته، خصوصاً أن هذه العملية تركت فراغاً في هيكلية القيادة وشبكات التمويل في" فرع التنظيم ولاية غرب أفريقيا".
وقتل المينوكي في غارات جوية أميركية - نيجيرية مشتركة في ضربة قاصمة لتنظيم" داعش"، الذي نجح في ترسيخ نفوذ غير مسبوق في غرب القارة السمراء في الأعوام الماضية.
وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية، فإن" داعش" تطور بصورة غير مسبوقة في الأعوام الأخيرة في غرب أفريقيا، إذ تركزت 90 في المئة من هجماته في منطقة جنوب الصحراء التي تشهد هشاشة أمنية كبيرة، في ظل موجة من الانقلابات العسكرية والأزمات السياسية.
ونجحت الولايات المتحدة الأميركية في الأوام الماضية بتصفية عدد من قادة" داعش" في أفريقيا، من خلال خطوات تقول واشنطن إنها تضعف التنظيم، لكنها لا تحدث بالضرورة فراغاً كاملاً، إذ يحل محل هؤلاء قادة جدد.
وعد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية نزار مقني أن" الحديث عن انقسامات داخل تنظيم ’داعش‘ في غرب أفريقيا بعد مقتل أو غياب شخص بحجم أبو بلال المينوكي، يعد مؤشراً على مرحلة حساسة جداً داخل ما يسمى ’ولاية غرب أفريقيا‘، خصوصاً أن أبو بلال كان يشكل حلقة وصل بين القيادة المركزية للتنظيم وشبكات الساحل وحوض بحيرة تشاد".
وفسر مقني في حديث خاص قائلاً إن" أهم دلالات هذه الخلافات يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط: أولاً، أزمة خلافة حقيقية داخل التنظيم، وكما نعلم أن كل التنظيمات ذات المنحى المتطرف، كتنظيم ’داعش‘، تعتمد على مبدأ السمع والطاعة، لكن الواقع داخل فروع أفريقيا مختلف، حيث تمتزج هذه القاعدة بدرجات الولاء القبائلي والإثني، وبالتالي ومع امتلاك بعض القادة المحليين المال والسلاح والمقاتلين، تصبح مسألة البيعة مرتبطة بتوازن القوة لا بالنصوص العقائدية فقط.
بالتالي يفتح مقتل شخصية مركزية الباب أمام صراع نفوذ بين شبكات نيجيريا والساحل، وربما الصومال كذلك''.
وتابع أن النقطة الثانية مرتبطة بالصراع بين القيادة المحلية والقيادة العابرة للحدود في حسابات التمدد الجيوسياسي لهذا التنظيم، وقال" يبدو أنه يوجد صراع أجنحة، إذ هناك تيار داخل ’فرع غرب أفريقيا‘ يريد الحفاظ على أولوية نيجيريا وبحيرة تشاد، بينما تدفع شخصيات أخرى نحو توسيع التنسيق مع فروع الساحل ومالي والنيجر وحتى الصومال.
هذا الخلاف يبدو فكرياً ويتعلق، إضافة إلى المسألة التكتيكية - بحسابات استراتيجية بحتة، مرتبطة بخطط التمدد والتوسع والتي تعول على التمويل ومسارات التهريب والضرائب المحلية وطرق التسليح''.
وأبرز مقني أن" النقطة الثالثة لها علاقة بعودة الانقسامات القديمة داخل البيئة المتطرفة في نيجيريا، فهذا التنظيم أصلاً خرج من رحم الانشقاقات داخل ’بوكو حرام‘، ثم دخل لاحقاً في صدامات بين جناح أكثر براغماتية وآخر أكثر تطرفاً وعنفاً تجاه المدنيين.
ويبدو أن هذه التناقضات لم تختف، بل جمدت موقتاً تحت قيادة شخصيات قوية مثل المينوكي''.
ولم تتطرق التقارير التي تتحدث عن خلافات داخل" داعش - ولاية غرب أفريقيا" من أجل خلافة المينوكي إلى الشخصيات المرشحة لتولي منصبه، على رغم الحديث عن" طموحات كبيرة" لدى قيادات من الصف الأول لذلك.
ويؤكد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين وجود" تباين في وجهات النظر وبروز خلافات داخل تنظيم ‘داعش‘ في غرب أفريقيا، لخلافة المينوكي".
وأردف تورشين في تصريح خاص أن" هناك حديثاً عن تزاحم بين كثير من الشخصيات على المنصب، وهو ما يعكس أن التنظيم لم يعد فصيلاً قليل التأثير في غرب القارة أو في منطقة بحيرة تشاد، وإنما أصبحت له أدوار ريادية وقيادية وفي الجوانب الإعلامية والمالية''.
ولفت إلى أن" هناك شخصيات من نيجيريا يجري الحديث عن إمكان صعودها لخلافة المينوكي، وذلك بهدف ترسيخ القيادة المحلية لتنظيم ‘داعش - ولاية غرب أفريقيا‘، على رغم أن هناك تيارات تسعى إلى أن تجعل منه أكثر التصاقاً بمنطقة الساحل وغرب القارة فقط، بينما ترى تيارات أخرى أن ذلك سيدخل التنظيم في صدامات مباشرة مع جماعة ’نصرة الإسلام والمسلمين‘ التابعة للقاعدة''.
ويعتقد أن" القدرة الآن على اختيار شخص خليفة لأبوبلال المينوكي هي محل خلاف، لكن ’داعش‘ قادر على احتوائه ولن تكون هناك انشقاقات كبيرة أو غير ذلك".
من جانبه، يشير مقني إلى أن التقارير لا تقدم أسماء مؤكدة حتى الآن، لكن المتابعين يركزون عادة على ثلاثة مراكز قوة تحدد من سيخلف أي قيادي بارز في غرب أفريقيا، أولها القيادات العسكرية داخل ولاية بورنو حول بحيرة تشاد، إذ لها تأثير كبير في ذلك.
وأوضح أنه" ثانياً شبكات مرتبطة بفصائل الساحل الكبرى في مالي والنيجر، ثالثاً شخصيات مرتبطة بملف التمويل والتهريب أكثر من العمل القتالي المباشر".
ويؤكد المتحدث ذاته أنه" في هذا السياق، يبدو أن الإشكال عادة ما يتعلق في مثل هذه التنظيمات، بأمراء المال والذين يعتبرون أحياناً أخطر من القادة العسكريين، إذ إن من يسيطر على طرق الوقود والسلاح والذهب وعمليات الابتزاز، يملك قدرة فرض الولاء، وبالتالي الخيارات الاستراتيجية".
وأثارت هذه الخلافات تساؤلات جدية حول تأثيرها المحتمل على حضور" داعش" في أفريقيا وحتى عالمياً، باعتبار أن المينوكي كان يشغل منصب بالغ الأهمية، وتكمن وظيفته في تأمين الموارد المالية والتنسيق بين فروع التنظيم.
وقال مقني إن" التأثير في نفوذ التنظيم قد يكون مزدوجاً، فعلى المدى القصير، غالباً سنرى زيادة في حجم الهجمات لإثبات أن التنظيم ما زال قوياً، تتبعها عمليات انتقامية واستعراضية، وتنافس بين الأجنحة لإظهار الكفاءة الميدانية.
وبالتالي فإن احتمالات تصاعد العنف بعد مقتل المينوكي قد تكون" مرتفعة، بسبب التنافس بين الفصائل على الشرعية والنفوذ".
واستدرك بالقول" لكن على المدى المتوسط، الانقسامات قد تضعف التنظيم عبر تفكك القيادة الموحدة، والصراعات الداخلية على الموارد، والانشقاقات المحلية، وتراجع القدرة على التنسيق الإقليمي".
وتابع" مع ذلك، هناك نقطة مهمة تتمحور حول قدرة تنظيم ’داعش‘ في غرب أفريقيا على إعادة إنتاج القيادة، وهو أمر أثبتته الأعوام الماضية، مع وجود قدرة داخل هذه التنظيمات المتطرفة على تجاوز فراغ القيادة وبالتالي عدم سقوطها مع مقتل قائد واحد، خصوصاً في مناطق تعاني فراغاً أمنياً وفقراً وحدوداً رخوة مثل الساحل وحوض بحيرة تشاد''.
واستنتج أن ''لذلك المشكلة بالنسبة إلى دول المنطقة ليست فقط في اسم القائد الجديد، بل في البيئة التي تسمح للتنظيم بالاستمرار والتجدد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك