القدس العربي - الحرس الثوري الإيراني ينفي مسؤوليته عن الهجوم على مطار الكويت روسيا اليوم - عالم: تطور الإنسان أدى إلى تقليل مدة نومه روسيا اليوم - الكونغرس يتجه لفرض عقوبات جديدة ضد روسيا روسيا اليوم - رفع الأثقال وأثره المفاجئ على صحة القلب والعمر روسيا اليوم - البنك المركزي الكوبي يعلن تعليق التعامل ببطاقات الدفع العالمية إيلاف - "النفاذ إلى البحر الأحمر": فصل جديد في صراع مصر وإثيوبيا روسيا اليوم - روسيا.. ابتكار غرسات "حية" باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد روسيا اليوم - علاج طبيعي يحسن صحة الفم واللثة Independent عربية - إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف مشروط لإطلاق النار روسيا اليوم - علامات تستدعي التدخل الطبي الفوري في حالات آلام البطن
عامة

استعادة القدرة على التفكير في اليمن خارج الثنائيات المضللة

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 أسبوع
2

في اعتقادي ثمة لحظات في التاريخ السياسي للشعوب لا تصبح فيها الأزمة ناتجة من غياب الحلول بقدر ما تصبح نتيجة مباشرة لعجز الوعي عن تعريف المشكلة ذاتها.وفي اليمن، تبدو عدن اليوم مثالاً مكثفاً لهذه المعض...

ملخص مرصد
تناولت المقالة الأزمة السياسية في اليمن، مشيرة إلى أن الخلاف لا يتعلق بإدارة الدولة بل بتعريفها ذاتها. ناقشت تعقيدات العلاقة بين الأمن والخدمات، ورفض المجتمع للدولة خوفاً من الاستبداد. أكدت أن الفوضى لا تحمي المجتمع بل تطيل أزمته، داعية إلى التفكير خارج الثنائيات المضللة.
  • الأزمة اليمنية تتجاوز غياب الحلول إلى عجز الوعي بتعريف الدولة ذاتها
  • رفض الدولة خوفاً من الاستبداد قد يؤدي إلى إضعاف المجال العام وإطالة الأزمة
  • عدن تحتاج إلى كيان منظم يعيد النظام، لكن دون تحول إلى أداة قمع جديدة
أين: اليمن (عدن)

في اعتقادي ثمة لحظات في التاريخ السياسي للشعوب لا تصبح فيها الأزمة ناتجة من غياب الحلول بقدر ما تصبح نتيجة مباشرة لعجز الوعي عن تعريف المشكلة ذاتها.

وفي اليمن، تبدو عدن اليوم مثالاً مكثفاً لهذه المعضلة المركبة، إذ لم يعد الخلاف في تقديري يدور حول أدوات إدارة الدولة بقدر ما بات يدور حول معنى الدولة نفسها.

فحين تختلط الحاجة العميقة إلى الاستقرار بالخوف المزمن من السلطة، يتحول النقاش العام إلى ساحة مكتظة بالشعارات والانفعالات، بينما تتراجع الأسئلة الجوهرية المتعلقة بكيفية بناء نظام سياسي قادر بما يكفي على حماية المجتمع وإدارة تناقضاته.

لذلك تبدأ الأزمة هنا بإعادة إنتاج ذاتها، لأن المجتمعات التي تخشى فكرة الدولة بقدر حاجتها إليها، غالباً ما تجد نفسها عالقة داخل دائرة لا تنتهي من الفوضى المبررة أخلاقياً، والخوف المؤدلج سياسياً.

ومن ثم، وفق ما هو موضح أعلاه، يمكن فهم طبيعة السجال الذي يتكرر كلما ظهرت محاولة لضبط الاختلال الأمني أو إعادة تنظيم المجال العام في عدن بوصفها العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية.

إذ يجري تصوير المشهد على نحو تبسيطي مضلل، وكأن الناس مخيّرون بين" الكهرباء" و" المدرعات"، أو بين" الخدمات" و" الاستقرار"، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً من هذا الاختزال العاطفي.

فالدولة ليست شركة خدمات يمكنها أن تعمل في بيئة منهارة، والأمن ليس حاجة كمالية يمكن تأجيلها إلى ما بعد تحسين الظروف المعيشية.

ذلك أن أي سلطة في أي دولة غير قادرة على فرض الحد الأدنى من النظام العام ستفقد تلقائياً قدرتها على إدارة الموارد أو حماية المؤسسات أو ضمان استمرار الخدمات.

وعليه، فإن وضع الأمن في مواجهة حاجات الناس المعيشية لا يعكس فهماً إنسانياً لمعاناة المجتمع، بل يكشف في جوهره خللاً عميقاً في إدراك طبيعة الدولة الحديثة بوصفها منظومة مترابطة لا يمكن تفكيك وظائفها بهذه السهولة الخطابية.

بيد أن الإشكال الأعمق في تصوري لا يكمن فقط في سوء فهم العلاقة بين الأمن والخدمات، بل في الإرث النفسي والسياسي الذي جعل جزءاً واسعاً من الخطاب العام ينظر إلى أي حضور للقوة بوصفه مشروع قمع محتملاً.

وهذا التصور، كما أرى، لم ينشأ من فراغ، بل تشكل عبر تراكمات طويلة من التجارب العربية التي ارتبطت فيها الدولة بالقهر أكثر من ارتباطها بفكرة القانون.

لكن المشكلة في اعتقادي تبدأ حين يتحول الخوف المشروع من الاستبداد إلى عداء مفتوح تجاه فكرة التنظيم نفسها.

فالمجتمعات التي تفشل في التمييز بين الدولة ككيان منظم وبين السلطة كأداة قابلة للانحراف، غالباً ما تقع في مأزق خطر يجعلها ترفض حتى الوسائل الضرورية لحماية المجال العام.

ولذلك، تصبح الفوضى هنا مقبولة أخلاقياً فقط لأنها تُقدَّم باعتبارها نقيضاً للهيمنة، على رغم أنها في كثير من الأحيان تتحول إلى البيئة المثالية لتآكل المجتمع وانهيار قدرته على حماية ذاته.

ولأن الخطاب السياسي في البيئات الهشة يميل، عادة، إلى الاستثمار في المخاوف الجمعية، فقد أصبح من السهل تصوير أي محاولة لبناء الاستقرار باعتبارها مؤامرة سياسية تستهدف الإرادات المحلية أو الهويات المناطقية.

لكن هذا النوع من الخطاب في تقديري يتجاهل حقيقة جوهرية تتعلق بطبيعة القوة نفسها.

فإرادة الشعوب لا تُصادر بالمدرعات وحدها، ولا تُحمى بمجرد إطلاق الشعارات.

إذ إن الوعي الجمعي لا يُهزم بالقوة العسكرية بقدر ما يُهزم حين تفقد المجتمعات قدرتها على إنتاج مشروع سياسي عقلاني قادر على إدارة الاختلافات داخل إطار الدولة.

ولذلك فإن اختزال كل حضور أمني في كونه مشروع هيمنة لا يعكس وعياً سياسياً متقدماً بقدر ما يكشف استمرار التفكير بمنطق الصراع المفتوح الذي لا يرى في الاستقرار سوى مقدمة لخسارة سياسية محتملة.

ومن ثم تتجلى هنا المفارقة اليمنية بأوضح صورها، فكثير من القوى والتيارات تطالب بالدولة من حيث المبدأ، لكنها تتوجس من كل خطوة عملية قد تقود إلى استعادة وظائفها الأساسية.

وهذا التناقض لا يمكن تفسيره فقط بالاعتبارات السياسية، بل يرتبط أيضاً بأزمة ثقة عميقة تراكمت بفعل انهيارات متلاحقة عاشها اليمنيون خلال العقود الماضية.

فحين تصبح مؤسسات الدولة نفسها جزءاً من ذاكرة الإقصاء أو الفساد أو التوظيف السياسي، يفقد المجتمع قدرته على النظر إلى السلطة بوصفها أداة تنظيم محايدة.

غير أن استمرار هذا الشك بصورة مطلقة يفضي إلى نتيجة أكثر خطراً، لأنه يفتح المجال لتحول الهشاشة إلى وضع دائم، ويجعل أي محاولة لإعادة بناء المجال العام محكومة سابقاً بالاتهام والتخوين، لا بالنقاش العقلاني حول الكيفية والضمانات والأهداف.

وإذا كانت الدولة في جوهرها تعني احتكاراً مشروعاً للقوة وفق تعريفات الفكر السياسي الحديث، فإن المعضلة اليمنية لا تكمن في وجود القوة بحد ذاتها، بل في غياب الإطار المؤسسي القادر على تنظيم استخدامها كما يجب.

ولذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول رفض المظاهر الأمنية بصورة مطلقة، بل حول طبيعة المرجعية التي تضبطها وحدود الدور الذي تؤديه.

أما تحويل النقاش إلى مواجهة بين" الخبز" و" الأمن" فهو في تقديري تبسيط يريح الخطاب الشعبوي ولكنه لا يقدم حلاً فعلياً للأزمة، لأن المجتمعات لا تستطيع الحفاظ على اقتصادها أو مؤسساتها أو حتى نسيجها الاجتماعي في ظل انهيار المجال الأمني وتعدد مراكز القوة خارج إطار الدولة.

لاحظوا معي من فضلكم أن كثيراً من الخطابات المتداولة تتعامل مع الفوضى وكأنها حال حيادية يمكن التعايش معها، بينما تكشف التجارب المعاصرة أن الفوضى ليست فراغاً سياسياً بريئاً، بل بيئة نشطة لإعادة إنتاج العنف والفساد والانقسام.

فحين تضعف الدولة لا تتراجع القوة، وإنما تنتقل إلى الفاعلين غير المنظمين الذين يديرون المجال العام وفق منطق المصالح الضيقة وشبكات النفوذ المتصارعة.

وعليه، تصبح المدينة نفسها هنا رهينة لمعادلات القوة غير الرسمية، ويتحول المواطن إلى كائن يبحث عن الحماية لا عن الحقوق.

ولذلك فإن الرهان على استمرار الهشاشة باعتبارها وسيلة لمنع" الهيمنة" ينتهي غالباً إلى نتيجة عكسية، إذ تتآكل فكرة المواطنة تدرجاً، ويصبح المجتمع أكثر عرضة للانقسام والابتزاز وفقدان القدرة على إنتاج أي مشروع وطني جامع.

فضلاً عن ذلك أرى أن ما يزيد المشهد تعقيداً أن الخطابات الانفعالية غالباً ما تستثمر في المعاناة الحقيقية للناس من أجل بناء سرديات سياسية سريعة التأثير.

فلا أحد يستطيع إنكار حجم الأعباء التي يعيشها سكان عدن، أو غيرها من المحافظات، سواء في الكهرباء أو الخدمات أو الاقتصاد أو الأمن، لكن توظيف هذه المعاناة لتغذية ثنائيات زائفة، كما هو موضح أعلاه، لا يقود إلى حل الأزمة في تقديري بل إلى تعميقها، لأن المواطن الذي يحتاج إلى الكهرباء يحتاج أيضاً إلى الشارع الآمن، وإلى مؤسسة القضاء، وإلى جهاز أمني يمنع الانفلات، وإلى سلطة تستطيع حماية المرافق العامة من العبث.

فالدولة كما أرى ليست خدمة منفصلة يمكن انتقاؤها حسب الرغبة، وإنما شبكة مترابطة من الوظائف التي يفقد بعضها معناه حين ينهار البعض الآخر.

ولهذا فإن تصوير الاستقرار باعتباره نقيضاً لحاجات الناس لا يمثل دفاعاً عن المجتمع بقدر ما يمثل انخراطاً غير واع في إعادة إنتاج شروط الأزمة ذاتها.

ويمكنني المجادلة بأن المجتمعات الخارجة من الحروب غالباً ما تعيش مأزقاً وجودياً يتعلق بعلاقتها مع السلطة.

فهي من جهة تحتاج إلى كيان منظم يعيد إنتاج المعنى والنظام، لكنها من جهة أخرى تخشى أن يتحول هذا الكيان إلى أداة قمع جديدة.

وهذه الثنائية المعقدة ليست يمنية فقط، بل تكاد تكون سمة ملازمة للمجتمعات التي مرت بتجارب انهيار طويلة.

بيد أن الفرق بين المجتمعات التي تنجح في العبور وتلك التي تبقى عالقة في الفوضى، يكمن في قدرتها على الانتقال من منطق الشك المطلق إلى منطق التفاوض العقلاني حول شكل الدولة المطلوبة وضمانات عملها.

فرفض الدولة خوفاً من الاستبداد لا يقل خطراً عن قبول الاستبداد باسم الدولة، وكلاهما في اعتقادي يقود في النهاية إلى إضعاف المجال العام وإطالة عمر الأزمة.

في نهاية المطاف تبدو المشكلة الحقيقية في اليمن اليوم ليست فقط في عدم استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح، بل في استمرار إنتاج الأوهام التي تمنع الاقتراب من الدولة العادلة.

فكل خطاب يصور الاستقرار باعتباره تهديداً، أو يجعل الفوضى بديلاً مقبولاً عن النظام، يسهم، ولو من حيث لا يدري، في تمديد عمر الانهيار.

ذلك أن الدولة لا تُبنى بالشعارات، والمجتمعات لا تنجو بمجرد رفض القوة أو تخوينها.

وما تحتاج إليه عدن خاصة، واليمن عموماً، ليس الانحياز الأعمى لأي طرف، بل استعادة القدرة على التفكير خارج الثنائيات المضللة التي اختزلت النقاش العام بين خدمات وأمن، أو بين هيمنة وفوضى.

لأن الحقيقة الأوضح وسط كل هذا الضجيج، هي أن الأوطان لا تُدار بالخوف من الدولة، ولا تُحمى بغيابها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك