في التداول السوري والعربي لكلمة دكتاتورية شحنة قيمية سلبية حصراً، تعززها أجنبية الكلمة وانقطاع تداولنا لها عن اشتقاقها اللغوي كمفردة، كما عن تاريخها كمفهوم.
شيء يشبه ذلك يخص كلمة ديمقراطية، وإن كانت الشحنة إيجابية هنا (ليس بين الإسلاميين، أو في أوساط تنويعة تحديثية معينة).
وهو ما يصعب التحكم بتداول الكلمتين ووصلهما بتجاربنا وذاكرتنا التاريخية الحديثة.
في الأصل نشأت الدكتاتورية في روما في أواخر القرن السادس قبل الميلاد كتفويض مؤقت بسلطات استثنائية في مواجهة أزمة خطيرة، حرب أو تهديد حربي غالباً.
وفي الزمن المعاصر اقترنت الدكتاتورية بحالة الطوارئ (أو الاستثناء، أو الحصار) التي يفترض بالتعريف أن تكون مؤقتة، ينص على مدتها الجهة المرجعية التي قررت ضرورتها، مجلس الشيوخ في روما القديمة مثلاً (أو «مجلس قيادة الثورة» إثر الانقلاب البعثي الأول عام 1963).
والأمر راهن في سوريا اليوم بفعل حالة الاستثناء التي تعيشها إثر انطواء 54 عاماً من الحكم الأسدي وفوق ستين عاماً من الحكم البعثي.
لكن الوضع يبدو أقرب إلى اللاقانونية العامة التي كانت سائدة في الحقبة الأسدية منه إلى تعليق القانون المعرِّف لحالة استثناء.
وهذا رغم أن البلد في وضع انتقالي فعلاً، مضطرب ومتعثر، وهو ما يدعو بالضبط إلى دكتاتورية وطنية، تحل الميليشيات وتحتكر السلاح وتبسط الأمن وتقمع الدعوات الطائفية والنزعات الانفصالية، وتعلن حالة الاستثناء من أجل ذلك.
الدكتاتورية بهذا المعنى هي سلطة انتقالية تعتمد سياسة القوة ضد أقوياء مهددين، وليس منها اعتقال معارضين سياسيين، أو قمع محتجين على قرارات عامة، أو كبت حرية التعبير، أو مراقبة الإعلام والثقافة، من مسالك ميزت الحقبة الأسدية.
الدكتاتورية الانتقالية ليست اعتماد القوة ضد الضعفاء.
ولذلك فإن هذه الدكتاتورية ليست نقيض الديمقراطية بالضرورة، فالأولى سياسة قوة تعتمدها الدولة ضد الأقوياء، والثانية سياسة دولة لحماية وتعزيز دور الضعفاء في الحياة العامة.
نقيضهما معاً هو حكم الميليشيات والعصابات، وكذلك الحكم المطلق، سواء برر نفسه بالدين أو بالعرق أو بالسلالة أو بالإيديولوجية.
وبهذه الدلالة، مشكلة سوريا اليوم لا تتمثل في دكتاتورية أكثر بل في دكتاتورية أقل، وفي رؤية غائبة، لبناء الدولة (وبالتالي الأمة).
مشكلة سوريا تتمثل بالأحرى في طائفية أكثر، في أنه تقوم في البلد سلطة طائفية تمييزية، لا ينضبط سلوكها بقواعد معلومة في التعامل مع ضعفاء عامين (محتجين سلميين، منظمات وجمعيات مستقلة، أصحاب رأي…)، لكنها متساهلة مع أقوياء من أهل ولائها المسلحين، فلا تقمع مخلين بالأمن من المعتدين على حياة الناس في حمص والساحل وخاطفي النساء، ولا تضبط المحرضين الطائفيين من «مؤثرين» مسعورين وجهلة في آن.
والمسألة بنيوية، فالشعور بالتخويل للتصرف بدون ضوابط واسع الانتشار ضمن جهور السلطة اليوم، ولا يعرف مثال واحد على محاسبة صارمة للمعتدين.
بالعكس، إنكار خطف نساء علويات، والمهزلة التي شوهدت مؤخراً بخصوص بتول علوش، ترسل رسالة سماح إلى المنتهكين أو غض نظر في أقل الأحوال.
تقنياً، ربما تكون بتول علوش «هاجرت» إلى الإسلام السني، لكن هذا وسط علاقة قوة لا تسهل الحركة في هذا الاتجاه دون غيره فقط، وإنما تتكتم كذلك على مسؤوليتها عن اضطرابات نفسية وعائلية تعيشها قطاعات من السوريين، علويين بصورة خاصة، بأثر محتمل لصدمات ورضوض لم تتوقف خلال ما يقترب من عام ونصف.
تقنياً كذلك، تملك السلطة القدرات على قمع شراشيرها (المجموعات الطائفية التي تعتدي على خصوم السلطة، مثل الشبيحة أيام الحكم الأسدي)، لكن تكوينها لا يسمح بذلك، إذا يبدو أنه يفكر فيه كإضعاف ذاتي.
الحكم الطائفي هو المشكلة الأخطر في سوريا اليوم بالضبط لأنه الحل الفاسد لمشكلة حقيقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك